هل استنفدت السلطة الفلسطينية دورها؟-د.جورج جقمان عدد252

 

هل استنفدت السلطة الفلسطينية دورها؟

د. جورج جقمان[*]                                                                        

يرى البعض، أن السلطة الفلسطينية قد استنفدت دورها، إن كان من المتعذر عليها أن تتحول إلى دولة ذات سيادة، وبالفهم الفلسطيني للدولة، أي ليس ضمن معازل غير مترابطة ومقطعة الأوصال، وهو ما يمكن أن تقبل به إسرائيل، ربما حتى في ظل حكومة نتنياهو الجديدة.       

غير أني سأنطلق هنا من موقف واحد محدد، وهو، أن السلطة الفلسطينية قد شارفت على استنفاد هذا الدور، وبقي لها دور واحد. لكن هذا الدور مشروط باستمرار الانسداد السياسي الحالي، حتى لو أخذ شكل ترتيبات "مرحلية"، تدير الصراع بشكل مؤقت ولا تسعى إلى حل له. وقد ألمحت القيادة الفلسطينية إلى هذا الدور في أكثر من مناسبة، ولكنها أحجمت عن المضي قدماً فيه حتى خط النهاية، لأسباب سأوضحها لاحقاً.

ولكن من منظور من يرى أن هذا الدور قد انتهى فعلاً، وهو رأي يأخذ به عدد غير قليل من الجمهور الفلسطيني في الداخل والخارج، لا توجد في العادة إجابة واضحة أو مفصلة على التساؤل: ماذا بعد انتهاء هذا الدور، ماذا يعني أن هذا الدور قد استنفد؟ والإجابة المعهودة لدى العديدين، حتى لو اختلفت صياغتها، هي: حل السلطة. هذه الإجابة ليست جديدة، وظهرت في فترات مختلفة خلال الأعوام الماضية، منها في العام 2003 بعد الاجتياح والاحتلال المباشر للضفة، وفي العام 2010 بعد فشل محادثات مسار أنابوليس، وخلال العامين الماضيين بعد توقف المفاوضات واستمرار الفراغ السياسي، وفشل الرئيس أوباما في إيقاف الاستيطان وسرقة الأرض الفلسطينية، بما في ذلك في القدس، واستمرار الحصار على قطاع غزة. ولكن: ماذا يعني حل السلطة؟

هل يعني مثلاً، أن يصدر الرئيس أبو مازن قراراً بحلها، ثم يتم إغلاق الوزارات والمكاتب الحكومية وتتوقف أعمال كافة موظفي القطاع العام بما في ذلك المدرسين في المدارس الحكومية والعاملين في الجهاز الصحي وفي المستشفيات التابعة للسلطة، وفي أجهزة الأمن المختلفة بما في ذلك جهاز الشرطة بكافة أقسامه؟ وإذا كان هذا ليس هو المقصود، فهل المقصود تغيير وظيفة السلطة كما اقترح البعض، وماذا يعني هذا تماماً؟ وظيفة السلطة هي إدارة شؤون المدنيين الفلسطينيين في الضفة والقطاع، وإذا كان المقصود عدم التوقف عن هذا، من غير الواضح ما هي الوظيفة الجديدة التي يتحدث عنها البعض؟

إن معظم الآراء والمقترحات الذي ظهرت في حيز العلن حول ما يجب على السلطة أن تتحول إليه تتوقف عند شعارات عامة أو مطالبات غامضة، يحجم البعض عن تبني تبعاتها عندما تثار أسئلة من هذا النوع، حول حل السلطة أو تغيير وظيفتها، لأنها استنفدت دورها حسب ما يرون.

وأعود إلى نقطة البداية، وإلى إشارتي إلى أن السلطة الفلسطينية شارفت أن تفقد دورها. أقول شارفت، لأن المرحلة النهائية من هذا الدور، في السياق السياسي الحالي، ما زالت غير مكتملة. بالتالي، السؤال الآن هو: ما هو هذا الدور الأخير الذي فيه تكمن أزمة السلطة الفلسطينية، أو بالأحرى، النظام السياسي الفلسطيني ككل، بما في ذلك منظمة التحرير الفلسطينية. ما هو هذا الدور الذي يحتم على السلطة الاختيار والذي هو سبب أزمتها؟

أزمة السلطة الفلسطينية:   

أبدأ بالأزمة. لقد مرت السلطة الفلسطينية بأربع مراحل، تخللها جميعاً مفاوضات سواء أكان مع الطرف الإسرائيلي، أو الأمريكي، أو حتى الأوروبي والعربي. وقد بدأت المرحلة الأولى باتفاقية إعلان المبادئ عام 1993 (وما تلاها من اتفاقيات سنه 1994 و1995) والتي هي بمجموعها اتفاقية أوسلو، وانتهت بوفاة الرئيس عرفات في تشرين الثاني (نوفمبر) 2004. أما المرحلة الثانية فبدأت بانتخابات الرئيس محمود عباس في كانون الثاني (يناير) 2005، واستمرت حتى نهاية العام 2008 وانتهاء عهد إدارة الرئيس بوش، وفشل مسار أنابوليس الذي انتهى مع نهاية العام 2008. وأما المرحلة الثالثة من حياة السلطة، فقد بدأت بانتخاب الرئيس أوباما واستعادة قدر من الأمل من جانب السلطة بوجود تغيير في السياسة الأمريكية تجاه الصراع، الأمل الذي عززته مواقف إدارة أوباما الأولى والمبكرة بالطلب من إسرائيل إيقاف الاستيطان. غير أن هذا الأمل بدأ يتبدد بالتدريج مع سلسلة التراجعات التي أقدمت عليها إدارة أوباما، وغياب أي ضغط فعلي على حكومة نتنياهو. لكن السلطة الفلسطينية لم ترغب في إحداث قطيعة مع الإدارة الأمريكية، فقامت بالتساوق مع مساعيها بعد فشل إيقاف الاستيطان، ومع ما ظهر جليا أنه ليس أكثر من "إدارة الأزمة"، وقبلت ببدء مفاوضات "غير مباشرة"، ثم مفاوضات مباشرة لمدة محدودة، لم تثمر شيئاً. ومع نهاية عام 2010 بدأت أمارات الضيق وفقدان الأمل تظهر لدى السلطة الفلسطينية من جراء عدم وجود أفق جدي لمسار سياسي مقنع للجمهور الفلسطيني، تحافظ فيه على صدقيتها وشرعية وجودها أمامه.

وفي الربع الأخير من عام 2010، أعلن الرئيس أبو مازن أنه في حال فشل المفاوضات فإن لدى السلطة "خطة ب ـ" التي لطالما طولبت بها خلال الأعوام الماضية من قبل الكثيرين من الكتاب والمعلقين في الصحف الفلسطينية، للإجابة عن سؤال يتعلق بخطط السلطة بعد فشل المفاوضات. فكان أن أعلن أبو مازن وآخرون من ناطقين باسم السلطة خطة من ست نقاط تتضمن الذهاب إلى مجلس الأمن، وبعد ذلك الجمعية العمومية في حال الفشل في مجلس الأمن لطلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية كدولة مراقبة.

أما المرحلة الرابعة والأخيرة في حياة السلطة الفلسطينية فبدأت بعد الذهاب إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر) من العام 2012. وبضغط أمريكي وأوروبي وعربي، امتنعت القيادة الفلسطينية عن اتخاذ خطوات أخرى انتظاراً لنتائج الانتخابات الأمريكية لعل الرئيس أوباما يستمر لولاية ثانية.

هذا ليس لأن القيادة الفلسطينية علقت آمالاً كبيرة على الولاية الثانية للرئيس الأمريكي، بل استجابة للضغوطات من جهة، ولعدم رغبتها، أو عدم توفر الإرادة السياسية، لقطع العلاقة مع الولايات المتحدة.

ما هي إذاً أزمة ومعضلة السلطة الفلسطينية؟ إن أزمة السلطة تكمن في أنها لا تستطيع أن تحكم لفترة لا متناهية دون أفق مرئي وواقعي للوصول إلى حل الدولتين بالفهم الفلسطيني المعلن للدولة ذات السيادة. فالاسم الرسمي للفترة ما بعد إنشاء السلطة الفلسطينية هو المرحلة الانتقالية والتي كان من المفترض أن تستمر لخمس سنوات، تنتهي بمفاوضات "الوضع النهائي" كما أسميت، والتي رُحِلت لها كافة القضايا الخلافية، مثل الحدود، والسيادة، والمصادر الطبيعية، وحق العودة، والقدس. ومن منظور فلسطيني لم يفترض فقط أن مسار أوسلو كان المتوقع منه أن يفضي إلى إنشاء دولة فلسطينية بالفهم الفلسطيني للدولة فحسب، بل لأن الفلسطينيين لم يتصوروا أن الهدف من وجود السلطة الفلسطينية هو إدارة شؤون السكان المدنيين فقط، بحيث تعمل السلطة كبلدية كبرى ولفترة غير محددة وربما دائمة. هذا الوضع يفقد السلطة شرعية وجودها من منظور الرأي العام الفلسطيني، وهو أيضاً معضلتها وأزمتها في غياب أي تقدم نحو الحل المنشود.

وخلال هذه المرحلة الرابعة والأخيرة من حياة السلطة، بان الآن وبأثر رجعي أن الذهاب إلى مجلس الأمن ثم الجمعية العمومية للأمم المتحدة كانتا خطوتين هدفتا إلى تعبئة الفراغ السياسي الناجم عن غياب أية مفاوضات وأي تقدم نحو الحل المنشود، والبقاء في حالة انتظار إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية الرئاسية. مرة أخرى، هذا ليس ضرورة بسبب أمل متجدد مبني على إمكانية عودة الرئيس أوباما لولاية ثانية، وإنما تجاوباً مع الضغوطات، وغياب الإرادة السياسية لاتخاذ خطوات جذرية تضعها في صدام مع الولايات المتحدة وإسرائيل. هذا ما امتنعت عن القيام به، وهذا ما قد يتعين عليها القيام به في حال استمرار فشل مساعي العودة إلى مسار سياسي، أو العودة إلى "مفاوضات استكشافية" كما نم بعد فشل الرئيس أوباما بإيقاف الاستيطان. هذا إلا إذا وافقت على ما هو متوقع كنتيجة لمساعي وزير الخارجية الأمريكي الجديد، أي إدارة الأزمة مرة أخرى ولفترة مرحلية إضافية، أي ما يمكن أن يوصف على أنه أوسلو 2.

بالتالي، أقول، إن السلطة الفلسطينية شارفت على استنفاد مهمتها التي أنشئت من أجلها من منظور فلسطيني، أي كمرحلة انتقالية لفترة خمس سنوات، وليس لعقدين من الزمن دون أفق مرئي للدولة المنشودة. فبعد ما يقارب اثنين وعشرين عاماً من المفاوضات، منذ مؤتمر مدريد في نهاية العام 1991 وحتى الآن، لم يعد لديها الآن أعوام مديدة أخرى إضافية من المفاوضات تبرر مشروعية استمرار وجودها. فقد وصلت السلطة الفلسطينية إلى نهاية الطريق، أو شارفت على الوصول، وهي تدرك ذلك جيداً. وهذا معنى الخطة "ب" ذات النقاط الست، والتي لم تسُتكمل، في انتظار ما قد يأتي به الغد القريب، وفي هذه الحالة، جولات وزير الخارجية الأمريكي إلى المنطقة والتي ستتكرر خلال الشهور القادمة.

وإذا كان من المتعذر على السلطة الفلسطينية الاستمرار إلى أجل غير مسمى في حالة انتظار، كما كان الوضع عليه خلال ما يقارب ثلاثة أعوام، وما هو عليه الوضع الآن، ودون إنجاز يذكر، والاستيطان مستمر، وتوسع المشروع الصهيوني غير المكتمل بعد في الأراضي الفلسطينية مستمر؛ إذا كانت حالة الانتظار هذه لا يمكن أن تدوم دون نهاية قريبة، ماذا يمكن للسلطة الفلسطينية والقيادة الفلسطينية أن تفعل؟ ما هي خياراتها؟ ما هي الخطوة الأخيرة التي يمكنها القيام بها في المرحلة الرابعة والأخيرة من حياتها؟ وما هي أهداف هذه الخطوة؟

الدور الأخير:

قبل الإجابة على هذه الأسئلة، أشير إلى المخاطر الممكنة في الحراك السياسي الحالي الذي يقوم به وزير الخارجية الأمريكي جون كيري. إن موقف الحكومة الإسرائيلية حول "الحلول" الممكنة معروف بما فيه الكفاية. وحتى في حال "نجاح" السيد كيري، من غير المتوقع أن تؤدي مساعيه إلى أكثر من الخيارات التي ظهرت في الصحف الإسرائيلية على أنها ممكنة من منظور الحكومة الحالية. فهي إما انسحاب جزئي من مناطق ج، تضَم إلى ب، ومن ب إلى ألف، أو انسحاب من طرف واحد بطريقة شارون في غزة، أي مسعى رسم حدود الدولة الفلسطينية من طرف واحد داخل الجدار والمعازل. أو، في "أفضل" الأحوال، دولة بحدود مؤقتة. هذه الخيارات رفضت سابقاً عدة مرات من قبل القيادة الفلسطينية كنتائج ممكنة لأية مفاوضات قد تتم. وما زال موقفها على حاله. ولكن إذا أرادت الولايات المتحدة "إدارة الصراع" مرة أخرى وليس حله، فمن المتوقع أن توضع ضغوطات كبيرة على القيادة الفلسطينية لقبول "ما يمكن" في هذه المرحلة. وليس من المستبعد أيضاً أن تتضافر الضغوط العربية أيضاً مع وعود بحل الأزمة الاقتصادية للسلطة، في حال التجاوب مع ما هو مطروح. وستظهر بعض الأصوات تسوغ لقبول ما قد يعرض كخطوة فيها "مكاسب" كبديل عن الجمود السياسي الحالي.

إن للولايات المتحدة مصلحة فعلية ولإسرائيل أيضاً في إيجاد تسوية ما ولو مرحلية وعدم إبقاء الفراغ السياسي الحاصل الآن. إن الفراغ السياسي سيعبأ عاجلاً أم آجلاً بصراع ميداني أياً كان شكله. والشاهد على ذلك هو هوس الصحافة الإسرائيلية بإمكانية حدوث انتفاضة ثالثة، إضافة إلى تقديرات الاستخبارات العسكرية وأجهزة الأمن الأخرى في إسرائيل، أن اندلاع الصراع الميداني مسألة وقت في غياب أي تقدم سياسي واستمرار الاستيطان. فهم يدركون تماماً ما هي أزمة السلطة الفلسطينية والقيادة الفلسطينية حالياً.

وما له دلالة واضحة هنا، ما قاله وزير الخارجية كيري للرئيس أبو مازن كما ظهر في الصحف ووسائل الإعلام، أن انتفاضة ثالثة، أياً كان شكلها، ستكون هدية إلى سوريا وإيران وحزب الله. ولكن، ما لم يقله، هو أنها ستشكل أيضاً إحراجاً كبيراً لمصر وستستغلها المعارضة المصرية كذخيرة إضافية في صراعها الحاصل مع السلطة السياسية الحالية، وستترك أثراً في عدة دول عربية فيها حراكات جماهيرية تطالب بالتغيير. كل هذا ضد مصالح الولايات المتحدة التي تسعى منذ اندلاع الانتفاضات العربية، لتطويق وتحجيم التغيير في تلك الدول خصوصاً مصر، ولكن تونس أيضاً ودول عربية أخرى، ما أمكنها ذلك.

وفي هذا الظرف بالذات، أتساءل مرة أخرى عن خيارات القيادة الفلسطينية. عن الدور الذي ما زال غير مستنفد؟ للإجابة على هذا التساؤل، يجب أن نسأل: ما هي مصادر قوة السلطة الفلسطينية؟ ما هو محور قوتها الأساسي؟ إن نقطة القوة الرئيسة للسلطة الفلسطينية هي وجودها وحاجة آخرين لاستمرار وجودها: إسرائيل والولايات المتحدة والدول الأوروبية والدول العربية الرئيسية الموالية للولايات المتحدة. وبالرغم من هذه الحاجة لدى إسرائيل، لأنها لا تريد إعادة احتلال الضفة الغربية مرة أخرى، وتحمل الأعباء المالية وأعباء إدارة شؤون السكان المدنيين، والتي أريحت منها بفعل مسار أوسلو؛ بالرغم من ذلك، هي ليست على استعداد لدفع الثمن السياسي المطلوب فلسطينياً، أي إنهاء الاحتلال وإنشاء دولة مستقلة بالفهم الفلسطيني للدولة.

بالتالي، إن نقطة القوة الرئيسة والخطوة غير المستنفدة بعد، هي وضع حياتها على المحك. أنا لا أتحدث عن حل السلطة بالمعنى المشار إليه سابقاً. وأكرر، أنا لا أتحدث عن حل السلطة كما يتصوره البعض، وإنما أنه في إمكانها القيام بمجموعة خطوات ضمن إطار ما يمكن أن يسمى "بالمقاومة الدبلوماسية والقانونية".  وكانت أول خطوة أخذتها بهذا الاتجاه الذهاب إلى مجلس الأمن ومن ثم الجمعية العمومية للأمم المتحدة للحصول على اعتراف، ولكنها توقفت عندها. وقد أزعجت هذه الخطوة إسرائيل كثيراً حتى لو أنها لوحدها خطوة أولى رمزية إن لم تتبعها خطوات أخرى. وقد أوقفت إسرائيل تحويل عائدات الضرائب التي تجبيها لصالح السلطة الفلسطينية كرد فعل، إلى أن عادت وأفرجت عنها بعد المظاهرات التي حصلت خلال الشهور الماضية بفعل الأزمة الاقتصادية، وبتوجيه من أجهزة الأمن حتى لا تنهار السلطة.

وقد أشار عدد من المختصين إلى وجود ما يزيد على ثلاثين مجلساً ولجنة وهيئة تابعة للأمم المتحدة يمكن للسلطة طلب الانضمام لها بعد قبولها كعضو مراقب. وقد أبدت إسرائيل خشية خاصة من قيام السلطة الفلسطينية بطلب الانضمام أو توقيع الوثائق التي تؤهلها لمتابعة موضوع جرائم الحرب في المحكمة الجنائية الدولية. وكذلك، أبدى الاتحاد الأوروبي اهتماماً خاصاً بهذا الجانب وحاول أن يعقد صفقة مع القيادة الفلسطينية بأن يقدم لها مقابلاً معيناً بشرط عدم الذهاب إلى المحكمة الجنائية الدولية. والسبب في ذلك واضح حيث إن خطوة مثل هذه ستؤزم العلاقة مع إسرائيل وسيبدأ مسلسل من رد الفعل والفعل، وتتطور الأمور إلى صراع جديد يبدو أن إسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في غنى عنه في هذا الظرف، بالذات، العربي والدولي.

 وليس من الضروري للسلطة الفلسطينية أن تقوم بهذه الخطوة أولاً، أي متابعة جرائم الحرب مع المحكمة الجنائية الدولية. وكما أشار عدد من الخبراء، يمكن للسلطة توقيع عدد من الاتفاقيات الدولية التي تمنحها حقوقاً هي مهدورة الآن، مثلاً حقوق في الغاز قبالة شاطئ غزة، أو حصة من المجال الكهرو مغناطيسي المسيطر عليه إسرائيلياً الآن. خطوات مثل هذه ستجلب ردود فعل من إسرائيل، حتى لو كانت هذه الخطوات تدريجية وتصاعدية في هذا المسعى من المقاومة الدبلوماسية والقانونية. وقد ينتهي هذا التصعيد المتدرج إن تفاقمت الأمور، بانهيار التنسيق الأمني ولو بعد حين، والذي تحرص عليه إسرائيل أيما حرص وتعتبره من أهم انجازات السلطة الفلسطينية من منظورها، ودون دفع ثمن سياسي بالمقابل.

إن هذا المسلسل، مسلسل التأزيم المدروس والتدريجي هو الخيار الوحيد الموجود للسلطة وللقيادة الفلسطينية في حال استمر الجمود السياسي والاستيطان. ومن ناحية نظرية قد ينتهي هذا المسلسل بأن تقوم إسرائيل نفسها "بحل السلطة"، بمعنى إفقادها دورها، وربما إعادة احتلال للضفة الغربية في حال انهار التنسيق الأمني. وفي سيناريو مثل هذا، من المتوقع أن يوجد إسناد عربي أقوى مما كان عليه الأمر قبل الانتفاضات العربية، حتى لو لم يستقر الوضع في مصر وفي دول عربية أخرى. فإن إحدى نتائج الحراك الشعبي العربي خلال العامين الماضيين، هو أن الرأي العام العربي الداخلي سيكون له أثر أكبر من ذي قبل في السياسة الخارجية للدول العربية مما كان عليه الوضع سابقاً، حتى لو أن نتائج هذا الحراك ما زالت قيد التبلور والتغير.

 وبهذا المعنى، إن السلطة الفلسطينية لم تستنفد بعد دورها وإن رهانها على وجودها نقطة قوة يجب عدم الاستهانة بها. وقد يَدفع هذا الرهان في مرحلة ما بعد اشتداد الأزمة إلى تدخل فعال وحقيقي من قبل أطراف عدة عربية ودولية لإيجاد حل لا يقتصر على إدارة الأزمة. وسيكون في إمكان القيادة الفلسطينية تصليب موقفها إن صمدت أمام الضغوط المتوقعة، إذ إنه في وضع مثل هذا تكون قد وضعت كل شيء على المحك. وقد يبين هذا الخيار على أنه سياسة "حافة الهاوية" أو خطوة يائسة أخيرة بأن تضع حياتها على المحك. لكن من جهة أخرى من غير الواضح أن الخيارات المتاحة عديدة، بدليل أن أحد المسؤولين في القيادة الفلسطينية صرح عشية الإعلان عن الخطة "ب"، أن السلطة لن تقوم بحل نفسها، ولكن إسرائيل قد تقوم بذلك كنتيجة لهذا المسعى المتدرج من المقاومة الدبلوماسية والقانونية. ولكن هذا المسعى يلزمه إرادة سياسية لم تتولد حتى الآن، ولكنها قد تتولد إن بان أن المساعي السياسية الحالية لا تتعدى مسعى إطفاء الحرائق بثمن غير مرتفع لإسرائيل، وبثمن باهظ للفلسطينيين.

[*]  أستاذ في جامعة بيرزيت.

 

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website