الحروب الجديدة لإسرائيل -عليّان الهندي - عدد 251

الحروب الجديدة لإسرائيل

-  -  2012  -  228

مراجعة: عليّان الهندي[*]

أوري بن اليعازر: الحروب الجديدة لإسرائيل

الناشر: هوتسئاه للنشر، جامعة تل أبيب، 2012. 528 صفحة                                            

يتحدث كتاب الحروب الجديدة لإسرائيل عن نظرية لهذه الحروب طرحها المفكر الإسرائيلي مارتين فان كرفلد عام 1991 وزميله الكندي كلاووي هولست عام 1996، اللذان ادعيا أن عصر الحروب التقليدية انتهى، وبدأ عصر الحروب المتميزة باستخدام العنف المنظم والمذهل. وقسما هذا النوع من الحروب إلى قسمين هما: الأول، حروب داخلية ناتجة عن ضعف أو فشل أجهزة هذه الدولة أو تلك في حل المشاكل الداخلية الإثنية أو العرقية فيها، ومثل هذه الحروب اندلعت في السودان واليمن والكونغو ورواندا، وغيرها من الدول. والثاني، شن دولة الحرب ضد تنظيمات داخل الدولة نفسها كتلك التي شنتها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، أو حروب ضد كيانات تشبه الدولة مثل حزب الله أو الفلسطينيين الذين شنت ضدهم من قبل إسرائيل منذ أكثر من عقدين.

وحول تسميات هذه الحروب، اختلف المفكرون السياسيون والعسكريون، فالبعض سماها الحروب الجديدة، أو حروب ما بعد الحداثة، أو حروب القرن الواحد والعشرين، أو حروب التكنولوجيا الحديثة، وغيرها من المسميات، التي وضعت لها مصطلحات جديدة مثل: التهديدات الجديدة، المخاطر الجديدة، الإرهاب الجديد والحرب العالمية ضده، وحروب ذات مستويات منخفضة. وكثرة الأسماء تشير إلى عدم اتفاق المفكرين حول تسمية وطبيعة وأهداف هذه الحروب. لكن إسرائيل اختارت من بين هذه الأسماء حروباً ذات مستوى منخفض، وحرب الارهاب الجديد، التي تدرب عليها الجيش الإسرائيلي خلال ما يسمى بفترة السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، ليقوم بممارستها بشكل فعلي ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني بعد عام 2000.

وأهم ميزة لهذه الحروب هي أنها تدور بين دولة وبين تنظيم أو مجموعة عرقية أو إثنية مسلحة، وتستمر لسنوات طويلة من دون إلحاق الهزيمة بالخصم. كتلك التي شنت على الفلسطينيين بهدف "كي الوعي الفلسطيني" وفق ادعاء رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق موشيه يعلون، وعدم مسح السنوات السبع من الذاكرة الفلسطينية عندما يقررون مقاومة الإجراءات الإسرائيلية على أرض الواقع. ولهذا النوع من الحروب ميزة أخرى تتمثل بالعنف الشديد المستخدم بين أطرافها. حيث يحاول هنا المؤلف ربط العنف الهائل من قبل إسرائيل بنظريات جديدة طارئة، وليست مزروعة في المجتمع اليهودي الذي مارسها بأبشبع صورها خلال العقود الماضية.

ويطرح المؤلف العديد من الأسباب لهذه الحروب، من أهمهما: رغبة الطرف الأضعف بتغيير قواعد اللعبة التي فرضها الطرف الأقوى والمقصود هنا الدولة، إحساس الطرف الضعيف أن القوة التي يواجهها بدأ يدب فيها الضعف والوهن. وفي المقابل، يشن الطرف الأقوى هذه الحروب لرغبة النخبة الحاكمة بتغيير أهداف وسلوك الطرف الآخر، وخفض مستوى التوقعات، أو أن طريقة بناء المجتمع تمكن من شن مثل هذا النوع من الحروب، كإسرائيل التي بني مجتمعها اليهودي وفق رؤية بن غوريون التي تتحدث عن "مصلحة المجموع"، وهي رؤية معمول بها في إسرائيل حتى هذا اليوم، وليس وفق صيغة "مصلحة الأغلبية" المطروحة من قبل الدول الديمقراطية. وتحافظ على هذه الرؤية دولة ذات مؤسسات عامة ذات سيطرة مركزية يقف الجيش الإسرائيلي في مقدمتها، من أجل توجيه المجتمع نحو هدف محدد تقرر أن يكون ضد الفلسطينيين وتطلعاتهم منذ عام 2000 وصاعداً، وضد حزب الله في جنوب لبنان. ووفق المؤلف، فإن الحروب بين إسرائيل والفلسطينيين في العصر الجديد كانت في الكثير من أسبابها إسرائيلية داخلية.

وفيما يتعلق بأهداف هذه الحروب والانتصار فيها، يشير المؤلف أن أهداف هذا النوع من الحروب يختلف عن الأهداف الموضوعة في الحروب التقليدية التي تتطلع إلى الاحتلال وإسقاط الأنظمة وغير ذلك. فالحروب الجديدة لا تملك أهدافاً محددة وواضحة في المدى القريب، بل هنالك أهداف بعيدة المدى، مثل تلك التي شنت على الرئيس الفلسطيني الراحل الشهيد ياسر عرفات التي كان الهدف المعلن منها هو استهداف وقتل ياسر عرفات، لكن عندما توقفت العملية ورأى عرفات أن إسرائيل لم تحقق هدفها بقتله، أعلن انتصاره فيها. وفي هذا الموضوع بالذات، تجاهل المؤلف أن الذي أوقف العملية العسكرية التي وجهت لقتل ضد ياسر عرفات هي ضغوط مختلفة من أهمها الضغوط التي مارسها ولي العهد السعودي آنذاك والملك الحالي عبدالله بن سعود، والهبة الجماهيرية الفلسطينية العارمة.

الرئيس ياسر عرفات

وُضع الشهيد ياسر عرفات على جدول الاستهداف الإسرائيلي بشكل فعلي في المؤتمر الصحفي الذي عقده رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود براك بعد إفشاله مفاوضات كامب ديفيد، أعلن فيه أنه "لا يوجد شريك فلسطيني" نتوصل لاتفاق معه. وبعد اندلاع انتفاضة الأقصى شنت على ياسر عرفات ثلاث عمليات عسكرية كان الهدف منها طرده أو تصفيته. ففي العملية العسكرية الأولى التي شنت على الرئيس ياسر عرفات عام 2002 فرض عليه الحصار ومنع من الخروج من المقاطعة. وفي العملية العسكرية الثانية التي شنت في شهر آذار (مارس)، هدمت مقرات الرئيس ياسر عرفات باستثناء المكتب الذي يتواجد فيه، وطالبته إسرائيل بتسليم المطلوبين المتواجدين في المقر خاصة قتلة الوزير الإسرائيلي رحبعام زئيفي. عندما فشلت إسرائيل في تحقيق هدفها في تلك الفترة شنت العملية العسكرية الثالثة ضد ياسر عرفات مستخدمة معه نظرية "التصفية الرمزية" وفق مصطلحات الحروب الجديدة التي شنتها إسرائيل بعد عام 2000. ونصت التصفية الرمزية على "إهانة" عرفات بواسطة سجنه وعزله عن شعبه في المقاطعة وقطع الماء والكهرباء عن مكتبه، وإحداث ضجيج حوله من الدبابات والطائرات والسماعات المعلقة في الجيبات العسكرية بهدف "تجنينه"، ومراقبة الخارج والداخل لمكتبه بإشراف امرأة باسم تاليا، التي أطلقت عليها وسائل الإعلام الإسرائيلية "تاليا الهدامة"، ونشر المعطيات حول قوائم الغذاء التي تصله يومياً. وكان الهدف المركزي من هذه العمليات وما طبق بحق الرئيس الفلسطيني الراحل من إجراءات ومضايقات تحويله لشخصية لا تمثل المصالح الشرعية، وإفقاده الاحترام الذي يستحقه، وإجباره على الرحيل أو الاستسلام من دون شروط، كي تتمكن إسرائيل من إخضاع الفلسطينيين بعده. وفي كل الأحوال، كان الحصار على المقاطعة جزءاً من حرب واسعة طويلة متواصلة وعنيفة، لم تتوقف إلا بعد أن توفي الرئيس ياسر عرفات تاركاً وراءه أسئلة كثيرة حول أسباب وكيفية حدوث الوفاة، لم أتلقَ أجوبة حتى هذا اليوم.  

احتمالات السلام مع الفلسطينيين

يتحدث الفصل الأول من الكتاب عن مسيرة السلام التي دخلتها إسرائيل، ليس وفق رغبة داخلية أو توجه عام نحو السلام، بل وفق رؤية صهيونية تقليدية تقول أن "العرب سيتوجهون نحو السلام عندما يصلون لقناعة أنهم لا يمكنهم تدمير إسرائيل بالقوة العسكرية". ووفق رأي الموقع على اتفاق أوسلو رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين، جاءت هذه الفرصة، بعد التغييرات التي شهدها العالم مثل انهيار الاتحاد السوفييتي حليف العرب الأساسي، وانتهاء الحرب الباردة وبروز الولايات المتحدة الحليف الأبرز لإسرائيل كقوة وحيدة في العالم، وهزيمة العراق، الذي خلق حالة من الضعف والوهن في الصف العربي. ونتيجة ذلك، كان تأييد السلام داخل المجتمع الإسرائيلي متذبذباً، ولا قواعد ثابته له، وباستثناء الضغط الذي مارسه رجال الأعمال للتوصل لحل بواسطة مندوبهم في الحكومة وزير الخارجية شمعون بيرس الذي تحدث عن شرق أوسط جديد، لم تكن هناك حركات شعبية تؤيد مسيرة السلام، كتلك التي تعارضه.

ولمقاومة هذا التوجه، ووقف مسيرة السلام تجندت مؤسسات دولة إسرائيل التي أسس أركانها دافيد بن غوريون وفق نموذج الدول الأوروبية في القرن التاسع عشر، التي تركز فيها الدولة السيطرة على مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ووفق أصحاب القرار وعلى رأسهم بن غوريون دار الحديث عن دولة شاملة قوية لا تمثل حركة أو قطاعاً سكانياً معيناً، بل مؤسسة "معبرة عن المجموع". ووضع لها مبادئ سياسية تقول: "إن أي اتفاق سلام مع العرب هو مقدمة للحرب القادمة، وإن المشاكل السياسية لإسرائيل تحل بالحروب وليس بالمفاوضات." وأن "من لا يأتي بالقوة يأتي بمزيد من القوة" و "ليس مهما ما يقوله الكفار، بل ما يفعله اليهود".

وكان الجيش الذي أسس بعد توحيد المليشيا العسكرية اليهودية في إطار واحد أهم مؤسسات هذه الدولة، الذي وقف حارساً على المبادئ المذكورة وقاوم التوجهات السلمية لحكومة رابين بهدف المحافظة على مجتمع العسكرتاريا الذي يحتل قادته موقع الصدارة فيه. ولم يكتف الجيش وقادته الذين مثلهم في ذلك الوقت رئيسا الأركان إيهود براك وأمنون شاحك بمقاومة اتفاقية أوسلو، بل بدأ الجيش الإسرائيلي يبحث عن الصراعات والحروب التي وجدها في العمليتين العسكريتين ضد حزب الله "يوم الحساب وعناقيد الغضب"

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website