في واقعنا المسرحي مشاهد صغيرة يصعب أن تجمع في لوحة متكاملة - وليد أبو بكر - عدد 251

في واقعنا المسرحي مشاهد صغيرة

يصعب أن تجمع في لوحة متكاملة

[*] وليد أبو بكر

"يسهل النظر إلى الواقع الذي تعيشه الحركة المسرحية الفلسطينية، كما لو أنه قطع متفرّقة من لوحة، بحاجة إلى من يجمعها بالشكل الصحيح، حتى يظهر المشهد في أفضل تجلياته. في واقعنا المسرحي، نحن نملك كثيراً من هذه القطع، ولكنها غير قادرة، في وضعها الحالي على أن تركب المشهد".

في متابعاتنا المبكرة لنشاط المسرح الفلسطيني كنا نتساءل: لماذا وضع المبدع الفلسطيني قدميه في الصفوف الأولى بين المبدعين العرب، في معظم ألوان الإبداع، وتمّ استثناء المسرح من ذلك، لدرجة أننا لا نلمح عبر تاريخه، القصير نسبياً، من نستطيع أن نشير إليه، كمسرحي فلسطيني، توازي قامته من نعرفهم من المسرحيين المتميّزين في أية بقعة من بقاع الأرض العربية، كبيرة كانت أو صغيرة؟

كانت التجارب المسرحية في الشتات، لا تتسم بالاستمرارية، رغم بعض ما أنجزته في حالات نادرة، كما حدث في العروض الأولى للفرقة المسرحية الفلسطينية في دمشق وتونس، وكانت أطول التجارب عمرا، وأهمها إنجازا، لكن الظروف الفلسطينية لم تسمح لها بالاستمرار، دون أن ننسى الجهود المسرحية التي تنتمي إلى تاريخ المسرح الأردني، دون أن يفارق معظمها قضية الأرض الفلسطينية المحتلة.  

كان هذا ينسب إلى وجهة نظر تشير إلى أن الحركة المسرحية القادرة على الاستمرار والتطور، تحتاج إلى أرض صلبة اسمها الوطن، تقف عليها وتنمو فيها. لذلك كان التطلّع إلى ما يخرج من الأرض الفلسطينية المحتلة من نتاج مسرحي يتّسم بالكثير من الحماسة والأمل، ويعتبر تعزيزا لتلك القناعة، خصوصاً من قبل بعض تجارب مسرح الحكواتي التي تغيرت ظروفها بالتدريج، ثمّ صارت تجاربها أدنى مستوى، وأقلّ تمثيلا للطموح، حتى انتهى الأمر بقائد ذلك الاتجاه إلى اليأس، والانتحار.

داخل الوطن، وعبر تلك القناعة القديمة، بات التفاؤل كبيراً، مع الوعي بأن الأرض ليست ثابتة تماماً تحت الأقدام، بسبب عدم توصل الاحتلال إلى قناعة تقول إن عليه أن يترك هذه الأرض لأصحابها، وأن يترك أصحابها يعيشون حياتهم، وإبداعهم في إطار ذلك، فوق هذه الأرض.

إن أحدا لا يستطيع أن يبرّئ الاحتلال من إعاقة كلّ ما يجري على الأرض الفلسطينية من محاولات للسير قدما، في أيّ مجال، بما في ذلك مجال المسرح، الذي يحتاج إلى تواصل دون عوائق، وإلى حرية حركة لا تحول دونها حواجز، ولا يخترق مجال فعلها عنف، لكن الصحيح أيضاً هو أن ثباتاً نسبياً حصل في السنوات الأولى لنشأة السلطة الوطنية على هذه الأرض، وللبدء في تصميم مؤسساتها، وفي نشاط الفنون على أرضها، وكلّ الأرض، انطلاقاً من ذلك، وهو أمر كان يفترض أن يشهد نهوضاً مسرحياً، وقد كاد يفعل ذلك، لكن الأمر تكشّف عن صحوة لم تدم طويلاً، ولم تشكل حالة مسرحية تقترب من الطموح.

ما الذي يجري على الجبهة التأسيسية للمسرح الفلسطيني فوق الأرض الفلسطينية، وبرعاية السلطة الوطنية الفلسطينية، على المستوى الرسمي، وعلى المستوى العام معا؟

لم يكن ما حدث استثناء: كان التسارع إلى استكمال بناء الهيكل الوظيفي سبباً في إشغال الوظائف التي تبدو شاغرة، بمن توفر في حينه، حتى وإن لم تتوفر له المؤهلات ولا القدرات الطبيعية، وهي في الحالة المسرحية موهبة وذكاء وحضور مسرحيّ وطاقة، إضافة إلى المعرفة العلمية أو الدراسة، التي لا تعني وحدها شيئا في العملية الإبداعية، غير التقنية. وفي الواقع أن أموراً أخرى توفرت، في كثير من الحالات، كانت عوامل في إساءة اختيار المواقع، أو في الاستخفاف بما يمكن أن تمثله هذه المواقع، على أقلّ تقدير.

في مجتمع يحاول أن يبدأ مع نفسه فنياً من نقطة الصفر المسرحية، لم يكن هناك رسمياً ما يحاول أن يساعد على البناء، ولا من يحاول، بالتخطيط والتعاون والدعم الثقافي والمادي، لأن ذلك كله كان غائبا عن الأولويات، وما يزال الأمر على حاله كما بدأ، لأنه يتعزّز دائماً بالسلوك الأنانيّ الذي يفرض نفسه على السابقين إلى المواقع، الحريصين على الالتصاق بها، حتى يحصّنوا أنفسهم داخلها، حتى وإن كانوا غير قادرين على الوفاء بواجباتها. لقد  قدمت لهم هذه المواقع في ظروف استثنائية، وما زالت تقدّم كذلك للورثة من النوع نفسه، فصار التطلع إلى عون رسميّ للحركة المسرحية التي تحاول أن تولد في العهد الجديد، نوعاً من الوهم الذي لا تنتج عنه أية وقائع حقيقية على أرض الحركة المسرحية، مهما بلغت حماسة المسؤولين، واندفاعهم اللفظي في كلّ اتجاه، لأن الأساس الذي قامت عليه المسؤولية يفترض أن يتغير.

في كثير من الحالات، كان الدعم، وهو ماديّ بعض الوقت، وتسهيل للمشاركات الخارجية في بعضه الآخر، يتمّ بسبب ما يجلبه من مكاسب شخصية لمن يقترحونه، وفي الظنّ أنه سيبقى هكذا، ما دامت الهياكل الأولى ثابتة أو مشابهة، ولا تتمتع بأية سمة من المرونة، في شخوصها، وفي مواقعها، وحتى في قياداتها العامة، غير الراغبة في التغيير، لأنه يتعارض مع مصالحها، وربما غير الواعية له كضرورة إنسانية وحضارية، أو غير القادرة عليه في الوقت ذاته.

فقد المسرحيّون عموما، وبشكل تدريجي، ثقتهم بالمستوى الرسمي الذي كان يفترض أن يقودهم في الخطى التأسيسية التي تعتبر ضرورية وحاسمة، لأنهم لم يجدوا لديه إلا الإهمال والانحياز أو الاستئثار، حين تتوفر فرصة أو يلوح أمل. أما المستوى الخاص أو الأهلي، فقد كانت قوّة الاستمرار هي التي تقوده. لكن هذه القوّة لم تكن كافية للإبقاء على سرعته، لذلك تحرّكت عجلته إلى الخلف في معظم الأحيان، وكأنها تعود به إلى نقطة بداية جديدة، يبدو أن المؤسسات المسرحيّة الفلسطينية، على قلتها، تسير إليها هذه الأيام، ربما دون أن تجد من يفطن إلى ذلك، غير بعض المنخرطين في العملية المسرحية من داخلها، والذين يرونها بموضوعية خالصة، والذين ربطوا حياتهم وسبل معاشهم بها.

في محاولة للتمسّك بالبقاء، لجأ المسرحيّون إلى وسائل دعم متفرقة، خارج إطار الدعم الرسميّ الذي يفترض أن يكون مأمولا، وامتداداً لعون كان يأتي في الفترات السابقة. هناك من تعدّدت لديه الوسائل، حتى سارت في طريق غير مقبول في بعض الأحيان، وهناك من لجأ إلى الدعم الذي تقدّمه مؤسسات تتبع الدول، أو تنطلق منها، تحاول أن تساعد المجتمع الفلسطيني الذي تفترض أنه خارج من الاحتلال، مع أنه لم  يخرج منه بالفعل.

من الصعب القول إن دعم هذه المؤسسات يكون خالصاً، أو شبه خالص، ومع ذلك، فإن كثيرا من هذا الدعم كان يذهب في مزاريب لا تنفع المسرح الفلسطيني ولا تضيف إليه، إن لم نتورط في القول إنها تضير به. كان من ذلك مثلا تلك "الورشات المسرحيّة" التي حصلت على معظم ما يقدّم من دعم للمسرح الفلسطيني، بشكل متصل، ومع ذلك لم تستطع أن تقوم بتشكيل فرقة مسرحية واحدة، أو أن تقدّم إنتاجاً لعرض مسرحيّ ناجح، أو أن ترفد الحركة المسرحية الفلسطينية بموهبة مسرحية جديدة واحدة، يمكن أن يشار إلى أن لها قيمة من نوع ما، في هذا المجال.

ومن الواضح أن بعض المؤسسات الغريبة عن مجتمعنا، تعمل من خلال التقارير المكتوبة التي تجد في وطننا محترفين يحسنون صياغتها، فلا تستطيع بعد ذلك أن تحكم على النتائج الواقعية، وربما لا ترغب في أن تسمع أو تقرأ شيئاً عن رأي المجتمع الذي تحاول أن تساعده في النماذج التي تدعمها، إذا كانت تنوي مساعدته بالفعل، لأنها تكتفي بأن تقنع نفسها بأنها تقوم بواجب من نوع ما.

هذا الواقع لم يحرم التجارب المسرحية التي تقوم بها مراكز قديمة، وأخرى استجدّت، من حريتها وحسب، ولكنه حرم بعضها من القدرة على الإنتاج، فحاصر الإبداع المسرحي بشكل مباشر، وفي بعض الأوقات ألجأ المؤسسات المسرحية إلى أنواع من الإنتاج الذي يضمن لنفسه توزيعاً كافياً، مثل الإنتاج السريع الخاصّ بالأطفال، الذي يجد طريقه إلى المدارس ومراكز الطفولة، والإنتاج الجوّال القادر على الوصول إلى التجمّعات، بدلاً من اجتذابها إلى دور العرض المسرحي، كما يفترض المسرح في تياره الأساسي.

وبالرغم من أهمية بعض هذه الاتجاهات في نشر الثقافة المسرحية، إذ استندت إلى قواعد مسرحية سليمة، إلا أن ملاحظتين تقلّلان من حجم التأثير الذي تحدثه هذه التجارب: الأولى هي أنها تبقى في باب التجارب التي لا تصبّ في ريبورتوار حقيقيّ للمسرح، وإنما تقف بباب المسرح الهامشيّ الذي لا يستطيع أن يدعم حركة مسرحية متطوّرة، والثانية هي أن كثيرين ممن يقدمون عليها يفعلون ذلك بسبب الاستسهال، وربما بسبب قلة تكاليف الإنتاج أيضا، وفي الحالين استصغار لشأن المسرح، وتطاول عليه.

كل هذا الواقع يشير إلى غياب أية حالة مسرحية، أو أي تدفق لتيار مسرحي يمكن أن يحسب كبداية لحركة مسرحية يعتدّ بها، أو يبنى عليها، فالمسرح الفلسطيني، في واقعه الحاليّ ما يزال مسرحا يعتمد على المبادرات الفردية التي تتناقص يوما بعد يوم، بسبب تآكل مصادر الدعم، وغياب الجمهور القادر على أن يخلق مسرحا يستطيع أن يموّل نفسه.

وهذه المبادرات الفردية ليست متصلة ولا متواصلة، ولكنها ظرفية، تنتظر أمراً ما، أو دعماً من جهة ما، أو نشاطاً لإثبات الوجود، حتى تبدأ التفكير في تقديم عرض مسرحيّ، بمعنى أنه لا يوجد تخطيط لدى المؤسسات المسرحية الخاصة، وإنما تستند أعمالها إلى الظروف. ومع غياب أية مؤسسة مسرحية عامة، فإن الحركة المسرحية الفلسطينية ككل، مهدّدة بالغياب.

وعندما نحاول تشخيص الحالة المسرحية، فإن من الصعب قبول التظاهر والتباهي، لأنها مجرّد أعراض مرضية وحسب، سواء أجاءت من خلال العروض، أو من خلال ما تحرزه من جوائز عربية، هي في الغالب شبيهة بالدعم الذي تقدمه مؤسسات أجنبية، والذي يهدف إلى تخفيف الضغط عن الضمير، قبل أن يهدف إلى تحقيق الجدوى على أرض الواقع.

العملية المسرحية التي يجري الحديث عنها هي حالة مسرحية كلية، لا تتعلق بحيز نشاط هنا، أو لحظة نشاط هناك، ولكنّها تبحث عما يمكن أن يسمى تيّاراً متّصلا لحركة مسرحية فلسطينية شاملة، تخلق مسرحييها كل الوقت من ناحية، وتخلق جمهورها المسرحي من ناحية ثانية، وقاعدتها التي لا تغيب عن الساحة العربية، على الأقلّ، من ناحية ثالثة، وفي كلّ ذلك مسؤولية كبيرة، لا نستطيع أن نرى من هو على استعداد لتحمّلها حتى الآن.

المسرح ليس نشاطاً جماعياً وحسب، لأن العملية المسرحية تقوم على جهود الجماعة، ولكنه نشاط مجتمعيّ أيضا، يحتاج إلى دعم المؤسسات القيادية في المجتمع، رسمية وأهلية على حد سواء. وإذا لم نشأ أن نبالغ ونقول، كما يقول المسرحيون عادة، إن المسرح مؤشر حضارة المجتمع، أو تعبيره عن هذه الحضارة، فإن بإمكاننا أن نقول إنه جزء ضروريّ من ثقافة المجتمع، ولا بدّ من أن يجد لنفسه مكانا في هذه الثقافة، إذا أرادت أن تعبّر عن نفسها كثقافة حيّة ومعاصرة.

ولأن المسرح في مرحلة بنائه لا يستطيع أن يقوم بجهده الذاتي، فإن حاجته إلى من ينظّم أسسه، ويدعم تطلّعاته دعماً شاملاً، حتى يمكّنه من الوقوف على أقدامه، تبقى شرطاً من شروط هذا التأسيس.

ولعلّ نظرة سريعة إلى المسارح التي تسجل حضورا في الوطن العربي، تستطيع أن تؤكد أن بدايات نهوضها كانت على أكتاف الدعم الرسمي، من مديريات أو مجالس عليا، ترعى كلّ صغيرة وكبيرة في شأن المسرح، دون أن تحول بين المبادرات الخاصة وطريقها إلى النجاح. من هذه النقطة بدأت المسارح تبني نفسها، وترعى شجرتها المتعدّدة الفروع، وهو ما حدث في كثير من الدول، واستطاع أن يخلق حركات مسرحية تمكن بعض فروعها من الاستقلال عن الجذع الأصلي.

واقع الحركة المسرحية في بلادنا يقول: ليس لدينا حركة مسرحية بالمعنى الصحيح، ولكن لدينا ما يصلح أساسا لتشكيل هذه الحركة، إذا وجد من يرعاه، ومن يضمن له سبل الحياة: لدينا أولا بعض المؤسسات المسرحية الأهلية وشبه الأهلية، وبالرغم من قلة عددها، التي يمكن القول إنها مرتبطة بعدم وجود مقرّات مناسبة لها، إلا في حالات قليلة واضحة وثابتة، إلا أنه يمكن القول إن دعم هذه المؤسسات القائمة، بالشكل الذي يعينها على الاستمرار في طريق صاعد وسويّ، من الضرورات الملحة.

ولدينا كفاءات مسرحية فردية: لدينا عدد لا بأس به من المخرجين الذين ضاقت بهم السبل، ولم تتح لهم الفرص لممارسة فعلية ومستمرة لقدراتهم، ومن الضروري الاستفادة من هذه القدرات المعطّلة بطريقة أو بأخرى، لا من خلال تمني ذلك من المؤسسات القائمة التي تفضل اختياراتها أو اكتفاءها الذاتي إن تمكنت من ذلك، ولكن من خلال مشروع رسمي للتنشيط المسرحي، غير مشروط بما سبقت الإشارة إليه من انحياز أو إيثار أو بحث عن فائدة شخصية.

ولدينا كفاءات أدائيّة عالية نسبياً، وكافية عدداً، لبداية نشِطة، إضافة إلى ما نملكه من كفاءات في عناصر العملية المسرحية الأخرى، ربما باستثناء الكتابة، وهي أزمة يمرّ بها المسرح في الوطن العربي، ويمرّ بها المسرح في العالم أيضا، بدرجات متفاوتة، لأن حجم ما يكتب لا يوازي حجم ما هو مطلوب للعرض، لذلك تعود المسارح إلى التراث المسرحي العالمي، الذي يكفي كل طلب.

ما الذي يسبق ذلك حتى يكون؟

ربما نوع من الإحساس بأن الأرض تحت الأقدام صلبة، ولها وجودها الحقيقي والدائم، رغم الاحتلال، وربما بسببه أيضاً، لأن البقاء فوق الأرض يتحوّل كل يوم إلى صمود يدخل في باب مقارعة الاحتلال، ويشكل حوافز جديدة وقوية لألوان الإبداع المقاوم، بما في ذلك المسرح.

وربما في مزيد من التفاعل مع الحياة داخل الأرض، والتعامل مع الاحتلال كمرض قدَري مستشر، لأنه في الواقع كذلك، يحتاج إلى علاج طويل، لكن مرحلة العلاج لا توقف الحياة في تفاصيلها الدقيقة، وبممارسة هذه الحياة يتمكن المبدع المسرحي من تجاوز القضية الزمنية الضاغطة إلى القضية الإنسانية الوجودية في مواجهة الاحتلال، ليخرج من القفص الضيق الذي يحاصر الإبداع حين يرتبط بالحدث المباشر، مهما كانت الرابطة قوية ومقدسة، وتشكل واجباً لا يجوز الهروب منه، ليدخل فضاء وجودياً واسع الحرية والآفاق، ويشكل جزءاً من مواجهة الاحتلال والعدوان.

وربما، قبل ذلك كله، أو معه، العمل على تجميع قطع اللوحة من قبل من يمثلّونها، ووضعها في إطار يشير إلى غايتها، ويقوّي الإحساس بها، ويشكّل دافعاً مساعداً لكل محاولة لإلصاق هذه القطع في أماكنها، لتخلق وحدة كاملة، تستطيع أن تتحوّل إلى أرضية صلبة لوسط مسرحي فيه كثير من التكامل والتماسك، والقدرة على الدفاع عن النفس، ضدّ كل ما يعيقه، سياسياً أو اجتماعياً، أو بسبب التخلف أو العدوان، كما يكون مؤهلاً للمطالبة بما هو أهل له، من خلال ثقة بالنفس يكون لها تأثيرها في اختيار المواقف.

وربما يسبق هذا كله أو يستمر خلاله، الإصرار على الإنتاج المسرحي المقبول، ضمن الشروط المتاحة، لأنه وحده يؤكد للمجتمع أن المسرح موجود، وأنه جزء من الثقافة الفاعلة أيضاً، في الحياة وفي الصمود، حتى يشعر هذا المجتمع بالاحترام، تجاه المبادرين إليه، الذين ما يزال من الممكن تصنيفهم كروّاد، لأن التجربة لم يتسنّ لها بعد أن تتراكم، ولأن الإلحاح على التجربة، والإخلاص لها، والتعب من أجل استمرارها، هو الطريق الوحيد إلى إثبات الوجود.

إن أحداً لا ينكر وجود إضاءة هنا وأخرى هناك، تصبّ في صالح الفنّ المسرحي، كفن، حتى وإن اختلفت مقولات بعضها، أو اختُزِن شيءٌ يتعلّق بحسن سيرها، لكن هذه الإضاءات الصغيرة لا تشكّل شمساً، ولا تستطيع أن تخفي واقعاً مرّاً يقول إن نظامنا الثقافيّ الحاليّ، الذي ينطلق في سلوكه من الإحساس بأنه لحظة عابرة في الديمومة، بمعناها الفلسفي، لا يدعم عمل المجموع، وهو يبذل كلّ الجهد كي يحوّله إلى تابع، والتابع غير قادر على الإبداع الحرّ، فرداً كان أو مجموعا.

[*] كاتب وناقد، مقيم في رام الله

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website