تداعيات الثورة السورية على فلسطينيي سوريا - أيمن أبو هاشم - عدد 251

تداعيات الثورة السورية على فلسطينيي سوريا

دراسة حالة مخيم اليرموك

أوجه التداخل والتفاعل

[*]أيمن أبو هاشم

 

يشكّل مخيّم اليرموك حالة نموذجية لمقاربة مسارات تأثّر وتفاعل الوجود الفلسطيني في مخيمات اللاجئين في سوريا مع التحولات العاصفة في المشهد السوري. فمع اندلاع الحراك الثوري، الذي تفجر في منتصف آذار (مارس) من عام 2011، والذي تسبّب بأزمةً وطنية عاصفة طالت شتى مناحي الحياة السورية، وشرَّعت الأبواب على أشكال مركبة من الصراع المفتوح، تحت عنوان إسقاط النظام السوري، من أجل تحقيق مطالب الشعب الثائر في الحرية والكرامة أسوةً بغيره من الشعوب العربية التي شقت عصا الطاعة على أنظمتها وحكامها، بات من الضروري بمكان تبيّن مكانة الفلسطينيين في سوريا، وكيفية تأثرهم بالتطورات الحاصلة.

كان وجود وانتشار اللاجئين الفلسطينيين في أغلب المدن السورية، على امتداد أكثر من أربع وستين عاماً، أن جعل منهم مكوناً ذا خصوصية هوياتية من مكونات النسيج السوري، وبكل ما يعنيه ذلك الوصف من تشابك وتداخل وثيقين بين الفلسطينيين والسوريين، بحكم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، التي ساهمت في تطويرها تشريعات قانونية متعاقبة، وفّرت للاجئين الفلسطينيين في سوريا سهولة الانخراط والاندماج في مختلف المجالات والميادين السورية. وبديهي أن هذا لا يلغي معاناة الفلسطينيين في ظل النظام القائم، حيث عانى آلاف الفلسطينيين الاعتقال السياسي، لأسباب تتعلق بالخلاف السوري الفلسطيني في الثمانينات، إضافة إلى عدد من المعتقلين الفلسطينيين الذين انخرطوا في أحزاب سورية معارضة.

هكذا، فعندما لاحت رياح التغيير في سوريا وهي في طورها السلمي، بدا أنّ ثمة اختباراً جديداً لمحتوى ومنسوب تأثّر الأوساط الفلسطينية بما يمور من حولها، ولكيفية تفاعلها مع الحراك الشعبي السوري، ومبنى نظرتها السياسية والأخلاقية لطرفي الصراع ورواية كلٍ منهما. وأصبح الحديث عن الخصوصية الفلسطينية في السياق السوري العام، ذا توظيفات سياسية أكثر منه حقيقة يمكن لها الصمود أمام فروض ولوازم العيش المشترك، ومفاعيل متغيراته على الفلسطينيين أنفسهم مع تصاعد وتائر الصراع الذي طال المخيمات الفلسطينية بصورة مباشرة، لا سيما بعد التطورات المأساوية التي شهدها مخيم اليرموك في الشهور الأخيرة، والتي يمكن لرصدها وتناول أبعادها إلقاء الضوء على التحديات المصيرية التي تواجه الفلسطينيين على وقع تقدم الخيارات الكارثية التي تعصف بالواقع السوري من جهة. والمساهمة في بناء رؤية وطنية في التعامل مع المعاناة المتفاقمة لفلسطينيي سوريا، والتقليل من آثارها السياسية والإنسانية بما يحفظ حقوق ومصالح ومستقبل اللاجئين من جهة ثانية.

وتتخذ هذه الدراسة من مخيم اليرموك بحكم أهميته الوطنية والسوسيولوجية والثقافية بالنسبة لمجتمع اللاجئين مدخلاً مكثفاً لملامسة هواجس ومخاوف وتعقيدات الوضعية الفلسطينية في سوريا في محنتها الكبرى.

مخيم اليرموك مغزى المكانة والحضور

أًنشىء مخيم اليرموك عام 1957 على مساحة تقدر بـ2110000 متر مربع جنوب مدينة دمشق، وخلال أقل من عقدين بات متصلاً من الناحية العمرانية بالمدينة التي كان يفصله عنها أقل من ثماني كيلو مترات. وبفضل توسعه الجغرافي، وكثافته السكانية المتزايدة، أضحى مخيم اليرموك أكبر المخيمات الفلسطينية في سوريا (من بين ثلاثة عشر مخيماً موزّعاً فيها)، حيث بلغ عدد سكانه من الفلسطينيين وفق تقديرات (الأونروا) ما يزيد عن 150 ألف لاجىء من إجمالي ما يقارب نصف مليون لاجىء فلسطيني في سوريا؛ علماً أن ثمة أكثر من 800 ألف مواطن سوري يعيشون فيه، وفي الأحياء المجاورة له.[1] ومعلوم أن مخيم اليرموك لا يصنّف ضمن المخيمات، بحسب وكالة الغوث، رغم أن هذه الوكالة تقدم فيه الخدمات التعليمية والصحية والتنموية، التي تقدمها للاجئين الفلسطينيين في باقي المخيمات.

لعل هذه التركيبة الديمغرافية المختلطة في المخيم، والتي شكّل الفلسطينيون فيها أقلية سكانية، مضافاً إليها النشاط التجاري المتنوع، والمميّز، الذي احتله المخيم، والذي يرفد الاقتصاد الدمشقي، ويغذّيه، جعلا منه مكاناً يختلف في طبيعته وصورته، عن المخيم الفلسطيني بفضاءاته الجغرافية والاجتماعية المحدودة غالباً. وربما أن هذا جعله أقرب إلى منطقة مدينية مكتظة، ووعاء يتسع للتعايش بين شرائح وأنماط اجتماعية متعددة.

بيدَ أن مغزى المكانة المعنوية والرمزية لمخيم اليرموك في سياق الدور الوطني والسياسي الذي طبع خصوصيته الفلسطينية، يمكن إعادتها إلى الثقل النوعي الذي مثله في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينيه منذ بداياتها، وعلى امتداد محطّاتها التاريخية، التي كانت مخيمات وتجمعات الشتات ساحاتها المركزية، قبل انتقال الجسم الأكبر لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى داخل الأراضي المحتلة عقب اتفاق أوسلو(1993).

على ضفاف هذه المسيرة الكفاحية، لا سيما في مراحل نهوضها وعنفوانها، قدّم مخيم اليرموك تضحيات جسيمة تشهد عليها مقبرتان للشهداء تضمان أجيالاً متعاقبة من شهدائه بما فيها رموز وقيادات فلسطينية دُفنت فيهما، وجميعهم قضوا في دروب الكفاح الفلسطيني كشواهد على رمزية هذا المخيم الفلسطيني، ومكانته المعنوية في الوجدان الوطني.

هكذا، ومن وحي هذه الحقائق التاريخية، والتجارب التي تراكمت، غدا مخيم اليرموك خزّاناً سياسياً وثقافياً وعلمياً، ورأى فيه الكثير من النشطاء السوريين ملاذاً لتحركاتهم ونشاطاتهم في بيئة من التفاعل والانفتاح، وهي من السمات التي طبعت علاقة المخيم بالحاضنة الشعبية السورية خلال العقود الماضية.

مع اندلاع الحراك الثوري السوري واشتعال الأحياء المحيطة والمتداخلة مع مخيم اليرموك (الحجر الأسود والتضامن والقدم ويلدا)، ظهرت مستويات متعددة من التأثر والتفاعل والترابط بين كلا الواقعين، وكشفت مسارات الحراك وتداعياته السياسية والإنسانية، عن مواقف وردود أفعال فلسطينية متباينة  - كما سنرى لاحقاً – على مختلف جوانب الحياة في المخيم وما شهده في الآونة الأخيرة من مأساة عميقة ومتواصلة.

سياقات التداخل والتفاعل والتأثر

المواجهات والصدامات التي بدأت في مدينة درعا بين المتظاهرين وقوات الأمن في 18/3/2011، والتي أدت إلى سقوط شهيدين من أبناء المدينة على يد قوات الأمن، فجرت فعلياً الغضب المتراكم في نفوس الشعب السوري، الذي عانى طيلة أربعة عقود من الظلم والاستبداد وقمع الحريات. ورغم كثرة الأسباب والمؤشّرات والمعطيات على الطابع الداخلي للثورة ودوافعها المحلية، قامت رواية النظام في مواجهتها وهي لم تزل في مهدها على إدراجها في متن (المؤامرة الخارجية). وما أن انتقلت شرارة الأحداث إلى المدن الأخرى، حتى خرجت بثينة شعبان[2] مستشارة الرئيس السوري بعد أعمال العنف التي شهدتها اللاذقية في 26/3/2011/ لتوجيه أصابع الإتهام إلى مجموعات فلسطينية على أنها تقف وراء تلك الأعمال، وهو ما أثار الشكوك والمخاوف المبكرة من محاولات النظام السوري إقحام الفلسطينيين في الأزمه السورية نزولاً عند أغراض "روايته العضود عن المؤامرة الخارجية".

ما عزز هذا الاتجاه استحضار رامي مخلوف "أحد رموز النظام" القضية الفلسطينية هذه المرة، في معرض ربطه بين استقرار النظام "وأمن إسرائيل" كما جاء في تصريحاته المثيرة لصحيفة نيويورك تايمز في 10/5/2011/.[3] وبجميع الأحوال حملت رسائل النظام منذ البدايات تهديدات مبطنة للفلسطينيين، توضع في خانة التلويح بالعواقب التي سيتعرضون لها في حال أظهروا تعاطفهم وانحيازهم إلى مطالب الشعب السوري وحراكه المشبوب.

غير أن توغل النظام في الحل الأمني الذي اعتمده لقمع وإسكات الثورة في المناطق المشتعلة، كان يُحرض ويزيد عملياً من أشكال تعاطف المخيمات الفلسطينية وانحيازها إلى سكان تلك المناطق والأحياء التي تقع على تخوم تلك المخيمات أو بجوارها، وهي نتيجه طبيعية لعمق الروابط والعلاقات التي تأصلت بين الفلسطينيين وإخوتهم السوريين على مدار أكثر من ستة عقود.

لقد دفع الفلسطينيون منذ الشهور الأولى للثورة ضريبة التفاعل والتعاطف مع معاناة أشقائهم السوريين، وذلك من خلال سقوط عشرات الشهداء والجرحى، فقط، أثناء تأديتهم لواجبهم الأخلاقي والإنساني المتمثّل في فكّ الحصار عن الأحياء المجاوره لمخيماتهم، والمساعدة في إسعاف جرحى الاقتحامات والمظاهرات السلمية. ويأتي ضمن ذلك اعتقال قوات الأمن لعشرات النشطاء الفلسطينيين والمتطوعين في عمليات الإغاثة الطبية والإنسانية. وإذا كانت مخيمات (درعا واللاذقية وحمص وحماة) من أوائل المخيمات التي تأثرت بالحملات الأولى لإخماد جذوة الثورة في المدن التي تتواجد فيها تلك المخيمات، فإنه ومع اتساع مجالات الصراع وشموله مختلف البقاع السورية في مراحل لاحقة، أصبحت بقية المخيمات الفلسطينية في مرمى التداعيات المباشره لهذا الصراع (اليرموك والحسينية وسبينة وحندرات وخان الشيح والنيرب وخان ذا النون)[4] لاسيما بعد وقوع العديد منها على خط الاحتكاكات والمواجهات وتتالي موجات النزوح منها وإليها.

مخيم اليرموك تيرمومتر النبض والتداعيات

لم يكن غريباً ان تتوجه أنظار الفلسطينيين في سوريا إلى مخيم اليرموك، عاصمة لجوئهم ومركز مرجعياتهم الفصائلية والمؤسساتية، وكشّاف رؤيتهم لآثار وتداعيات الأزمة السورية على بقية مخيماتهم وتجمعاتهم. والأهم أن مخيم اليرموك هو مرجل كل التناقضات والتباينات السياسية الفلسطينية، التي أخرجتها تطورات الأزمة السورية على دفعات متتالية، وصولاً إلى تفجرها أخيراً بصورة دراماتيكية ومحزنة.

كشفت الثورة السورية عندما انتقلت في وقت مبكر إلى الأحياء السورية المجاورة لمخيم اليرموك وتحديداً الحجر الأسود والتضامن، عن فروقات حادة في المواقف من الحراك السوري، سواء فيما بين الفصائل الفلسطينية، وفقاً لمنظور وحسابات كلٍ منها في التعاطي مع الأزمة السورية من ناحية، وبين هذه الفصائل وقطاعات واسعة من جيل الشباب الذي وجد في الحراك السوري نافذته للتمرد على الواقع السوري واستطالاته الفلسطينية من ناحية ثانية.

لم تؤد دعوات الحياد التي أطلقتها أغلب الفصائل منذ بدايات الحراك السوري فعلياً إلى تحييد المخيمات وتجنيبها تداعيات الواقع المشتعل حولها. ويمكن عزو ذلك، فيما يتعلق بمخيم اليرموك، إلى علاقات الجوار المتداخلة بين سكانه وسكان الأحياء السورية الملاصقة له - كما أشير إليه سابقاً. وإذا كان مفهوم، الحياد بالمعنى السياسي هو عدم التدخل بالشأن الداخلي السوري، وهو ما تلاقى مع رأي عام وازن في المخيم تختزن ذاكرتة التاريخية عقابيل وأضرار تدخل الفلسطينيين أو إدخالهم في الأزمات الداخلية العربية (الأردن- لبنان- الكويت-العراق) فإن كثافة البعد الإنساني في الثورة السورية بسبب حجم المعاناة الجماعية التي أصابت السوريين، بفعل ضراوة النظام في معاقبة البيئات الشعبية الحاضنة للثورة، أفضى إلى طغيان الالتزام الأخلاقي على مفهوم الحياد السياسي وتعقيداته الواقعية. وهو ما يُفسر الاستجابة السريعة لأهالي المخيم في احتضان آلاف العائلات السورية التي نزحت إلى المخيم تباعاً، لاسيما إبان القصف الجوي والمدفعي العنيف الذي تعرضت له أحياء الحجر الأسود والتضامن والقدم ويلدا وببيلا منذ أوائل الشهر السابع من عام 2012، حيث أظهر المخيم الذي فتح بيوته ومدارسه ومؤسساته لاستقبال أشقائه النازحين، تعاطفاً وانحيازاً ملموساً مع جواره من سكان الأحياء المنكوبة.

من نافلة القول، أن ميل أبناء المخيم لنجدة وإغاثة أشقائهم السوريين كتعبير عن وفائهم،  وردهم الجميل للشعب الذي احتضنهم، وبلسم جراح نكبتهم عام 1948، أقلق النظام، من هذا السلوك الفلسطيني الذي يتعارض مع محاولات (مؤسساته الأمنية). وفي الواقع فإن هذا النظام، ومنذ اندلاع الحراك السوري، كان يعمل بالتعاون مع حلفائه من القوى الفلسطينية، لتحويل المخيم إلى مصد بشري في وجه امتداد الثورة السورية إليه ومنه إلى قلب مدينة دمشق.

المخيم وحسابات الفصائل

انقسمت الفصائل الفلسطينية بشأن كيفية تجنيب مخيم اليرموك ارتدادات الصراع الناشب في المناطق المحيطة، والذي انتقل بين قوى الثورة وقوات النظام إلى مراحل أشد عنفاً واحتداماً، ورغم التوافق السياسي بين فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وقوى التحالف الفلسطيني (بما فيها حركتي حماس والجهاد الإسلامي) في بداية الأحداث على تحييد المخيمات الفلسطينية من حيث المبدأ، غير أن ثمة وقائع متعددة أظهرت صعوبات تصريف هذا التوافق على أرض الواقع، من أهمها افتراق قوى فلسطينية ذات علاقات وثيقة بالنظام عن الاتجاه الفصائلي الغالب الداعي لتكريس موقف الحياد الفلسطيني.

ويأتي في مقدمة هذه القوى الجبهة الشعبية – القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل، التي تبنّت في مواقفها السياسية والإعلامية رواية النظام السوري، في مختلف أطوار الأزمة، فضلا عن قيامها بدور وظيفي وأمني في دعم النظام، وضمنه تحمّلها المسؤولية عن الدماء الفلسطينية التي سالت خلال مسيرة العودة الثانية على الحدود الفلسطينية – السورية في 5/6/2011، وما نجم عنه في اليوم التالي لتشييع شهداء الجولان، من هجوم المشيعين الغاضبين على الخالصة (مقر الجبهة الرئيسي في مخيم اليرموك) وقيام حراس المبنى بإطلاق الرصاص عليهم وسقوط ضحايا من الجانبين وإحراق المقر الذي كانت تتواجد فيه قيادة الجبهة أثناء الهجوم.

وقد برز تنامي دور القيادة العامة مع تواجد كتائب الجيش الحر في الأحياء المجاورة لمخيم اليرموك (الحجر الاسود والتقدم والتضامن ويلدا)، ومع مساعيها لتشكيل "لجان شعبية" مسلحة تحت عنوان "حماية المخيم". وعندما رفضت فصائل منظمة التحرير الفلسطينية هذه الفكرة التي رأت فيها توريطاً للمخيم في أتون الصراع، قامت القيادة العامة بتشكيل هذه اللجان بمشاركة مجموعات محدودة من (فتح الإنتفاضة ومنظمة الصاعقة) المواليتين أيضاً للنظام. وقد أوضح جبريل أهداف هذه اللجان في كلمة ألقاها بمقر الخالصة (31/7/2012) بأنها تهدف إلى حماية سكان المخيم وأعراضه وممتلكاته من (المجموعات المسلحة) التي تريد استباحته على حد قوله[5]. وأثارت هذه الخطوة التي انفردت بها "القيادة العامة" هواجس ومخاوف شتّى، تمحورت حول الخشية من تبعاتها في دقّ أسافين الفتنة والشقاق بين المخيم وجواره السوري، عدا عن دورها في  إظهار المخيم كطرف محسوب على النظام في مواجهة الثورة السورية. أما فصائل منظمة التحرير الفلسطينية ذات الوجود التاريخي في المخيم فقد لجأت إلى تفضيل الانزواء، خلف مقولات التحييد ورفض الانجرار والتوريط، وحتى عندما كان المخيم يتعرض للقصف، اتجهت بياناتها إلى إدانة السلوك وتجهيل الفاعل تجنباً للحرج مع النظام. فوق ذلك فقد درجت بيانات الرئاسة الفلسطينية دوماً على تبني سياسة الحياد (كما هو البيان الصادر عنها في 3/8/2012 إثر القصف الذي طال بعض أحياء المخيم) في حين (كانت تصريحات ياسر عبد ربه باسم المنظمة تنحو إلى إدانة النظام وتحميله المسؤولية)[6].

وفي هذا الإطار يمكن تمييز موقف حركة حماس التي آثرت الانسحاب من الساحة السورية، بسبب الضغوط التي تعرضت لها من النظام السوري، نتيجة رفضها الوقوف إلى جانبه من الصراع، وخصوصاً بعد انقطاع علاقتها بالنظام، في ضوء انحيازها المعلن إلى ثورة الشعب السوري (تجلى هذا الموقف بوضوح في الكلمة التي القاها خالد مشعل رئيس المكتب السياسي للحركة في مؤتمر حزب العدالة والتنمية في إسطنبول في شهر 9 من عام 2011) فيما حاولت الجهاد الإسلامي التركيز على العمل الإغاثي في المخيم وتجنيب نفسها الدخول في التجاذب السياسي حول الأزمة.

أكدت هذه الحقائق هشاشة منطق التحييد وضعف تأثير القوى الداعية له من الفصائل الأساسية في المخيم في الوقت الذي كانت تدفع الأحداث المتلاحقة المخيم ليكون في قلب العاصفة.

شباب المخيم في ظل الثورة

في سياق آخر، كانت يوميات الثورة السورية تحفر بصماتها العميقة لدى قطاع واسع من الشباب في مخيم اليرموك، لا سيما من الجيل الرابع الذي وُلدَ آوائل التسعينات، ولم يجد في الفصائل الفلسطينية التي انغلقت على تاريخها وشعاراتها، المجال الوطني للتعبير عن ذاته وأفكاره الطموحة. لذلك، رأى في ثورة الشباب السوري وزخم اندفاعتها وجاذبية مطالبها التحررية، الفرصة المثلى لخوض تجربته الخاصة والجسر الأقرب إلى "الربيع الفلسطيني" الذي يحاكي أحلامه وتطلّعاته. وسرعان ما انخرطت فئات من هؤلاء الشباب بصورة مباشرة في العديد من أنشطة وفعاليات الثورة السورية، ساعين إلى تأكيد خصوصيتهم الفلسطينية في هذه المشاركة بأشكال متعددة، كتأسيس التنسيقيات في مخيم اليرموك وفلسطين، وتجمع أحرار مخيم اليرموك وغيرها، وإطلاق الصفحات الإعلامية الخاصة بها على مواقع التواصل الإجتماعي، ونشر الصفحات التي تغطي أخبار المخيم (مخيم اليرموك نيوز – شبكة اليرموك الاعلامية ـ اتحاد أخبار شبكات المخيمات الفلسطينية – اليرموك قلب الحدث... الخ)[7] وحاولت بعض المجموعات الشبابية التي شاركت في مظاهرات الأحياء السورية نقل التظاهرات المعارضة للنظام إلى المخيم، وكتابة الشعارات المناصرة للثورة على جدرانه.

وهناك مجاميع من أجيال متفاوتة وشرائح متعددة فضلت أن لا تنخرط بفعاليات الثورة بصورة مباشرة، لقناعتها بضرورة بقاء الفلسطينيين على مسافة من الصراع، وهو ما كان عليه أغلب المزاج الشعبي الفلسطيني، في مقابل ذلك عبرت عن تعاطفها مع الشعب السوري ومساهمتها في تخفيف المعاناة عنه بمبادرات إغاثية وإنسانية تجلت في أروع صورها أثناء استقبال النازحين السوريين في المخيم ومد يد العون والمساعدة إليهم. وخلال المحنة التي تعرض لها مخيم اليرموك مؤخّراً، قدّمت اللجان والهيئات والمجموعات الناشطة في ميدان الإغاثة (مؤسسة جفرا ومجموعة بصمة والهيئة الخيرية ودار الشجرة...) جهوداً كبيرة لتقديم المعونات ومواد الإغاثة للأسر الصامدة داخل المخيم، وفي التجمعات التي ينتشر فيها النازحون عنه، وضحّى العديد من نشطائها بحياتهم من أجل إيصال المواد الإغاثية إلى المخيم. وبلغ عدد الشهداء الفلسطينيين الذين قضوا في مخيم اليرموك (والحجر الأسود والتضامن والتقدم) منذ بدايات الثورة السورية، وأكثرهم من جيل الشباب، ما يقارب 50 بالمئة من أصل 940 شهيداً هم مجمل الشهداء الفلسطينيين؛ وفق إحصائيات مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا لغاية /25/1/2013،[8] إضافة إلى مئات المعتقلين الفلسطينيين في سجون النظام.

تعكس هذه الصورة جملة المفاعيل التي أحدثتها الحقبة السورية الجديدة على وعي وتفكير الشباب الفلسطيني، ولم تخفِ ما أحدثته التطورات التي عصفت بالمخيم في الفترة الأخيرة، من قسوة إحساسهم بغياب المرجعية الوطنية الفلسطينية والتي فاقمت من الشعور باليتم الوطني، ولجوء بعضهم إلى حمل السلاح والانضواء في كتائب "الجيش الحر" تحت مسميات فلسطينية، تعبيراً عن هذا المناخ الجديد الذي يُحمّل الفصائل الفلسطينية المسؤولية التاريخية عن بؤس الواقع الفلسطيني عموماً، والمسؤولية الراهنة عن غياب وتقصير الفصائل في المحنة التي يشهدها المخيم على وجه الخصوص.

محنة المخيم وهواجس المصير

ثمة وقائع وأحداث مباشرة تتكامل مع الخلفيات والأسباب التي تناولتها هذه القراءة للوقوف على دلالات وتحديات المنعطف الخطير الذي يمر به مخيم اليرموك، منذ النزوح الجماعي الأكبر عن المخيم في 17 /12 /2013، والذي يوصف بأنه النكبة الثانية للاجئين، سواء للقلة المتبقية من شهود النكبة الأولى الذين لجأوا إليه عام 1948، أو للأجيال المتتالية التي ولدت ونشأت فيه.

من أهم الوقائع التي مهدت للمحنة الكبرى تلك، ما شهده مخيم اليرموك يوم 13 /7/2012 من خروج الآلاف من أبنائه في مظاهرات غطت شوارع وأحياء المخيم، تعبيراً عن مشاعر الغضب بسبب المجزرة التي أودت بحياة أربعة عشر شاباً من مخيمي النيرب وحندرات بحلب، الذين خُطفوا قبل أيام في طريق عودتهم من أحد مراكز جيش التحرير الفلسطيني في مصياف، حيث كانوا يؤدون فيه خدمتهم الإلزامية، بالتزامن مع توارد الأخبار عن مجزرة التريمسة في ريف حماة التي نفذها شبيحة النظام وذهب ضحيتها أكثر من 250 مدنياً من سكانها،[9] وواجهت قوات النظام هذه المظاهرة بإطلاق الرصاص من القناصة المنتشرين فوق أسطح البنايات، مما أدى إلى سقوط ثمانية شهداء من أبناء المخيم.

أعقب هذه الحادثة بدء مسلسل معاقبة الفلسطينيين وسقوط عدد من القذائف على أحياء المغاربة والجاعونة داخل المخيم في تواريخ متتالية، كما حدث في 18/7 ومن ثم في 2/8/ 2012 وأسفرت الأخيرة عن وقوع 29 شهيداً وعدد من الجرحى.

بالتوازي مع هذه التطورات احتدمت المواجهات بين كتائب الجيش الحر المتواجدة في محيط المخيم، وعناصر "اللجان الشعبية" المسلحة (التي كانت شكلتها "القيادة العامة" ذراعاً للنظام لإحكام السيطرة على المخيم والتضييق على تحركات الجيش الحر في المنطقة)، وهو ما ساهم في توتير أجواء المخيم وخصوصاً في الأحياء الجنوبية والشرقية منه المتاخمتين للحجر الأسود والتضامن.

كانت ذروة المواجهات في منتصف شهر /12/ من العام المنصرم والتي أدت إلى انشقاق مجموعة من اللجان وانضمامها إلى "الجيش الحر"، وانسحاب بقية عناصر اللجان ودخول "الجيش الحر" إلى قلب أحياء المخيم للمرة الأولى. وقد نتج عن هذه العملية، التي اعتبرها "الجيش الحر" معركة تحرير المخيم، بسط سيطرته عليه، وعن اختلال في موازين القوى نظراً لأهمية المخيم الاستراتيجية، فقام النظام بقصف المخيم بطائرات الميغ في 16/12 كنوع من العقاب الجماعي على كسر المعادلة التي كانت قائمة قبل تقهقر اللجان، ونجم عن القصف الجوي العنيف الذي طال جامع عبد القادر الحسيني وشارع المدارس والفالوجة سقوط أكثر من 25 شهيداً وعشرات الجرحى من الفلسطينيين والنازحين السوريين، وطغت مشاعر الرعب والخوف بين الأهالي والخشية من تكراره مترافقاً مع بث إشاعات تدعو سكان المخيم إلى مغادرته.

في اليوم التالي /17/12/2012 ومنذ ساعات الصباح بدأ النزوح الكبير عن المخيم، في مشهدية أعادت إلى الأذهان التغريبة الفلسطينية في فصلها الأشد قسوةً وإيلاماً،[10]وبحسب التقديرات الأولية غادر المخيم ما يزيد عن  85 في المئة من سكانه. منهم من توجه إلى مناطق أكثر أمناً في مدينة دمشق وما حولها، ومنهم من غادر إلى الأراضي اللبنانية بعيداً عن أصوات الانفجارات وأزيز الرصاص والمعارك المتنقلة.

هكذا رُفعَ الستار عن فصل جديد ينبىء بتصعيد الصراع العسكري ووقوع المخيم على خط الاشتباكات والمواجهات المتواصلة، وبينما برّرت كتائب الجيش الحر سيطرتها على المخيم بأنها تكتيكية ومؤقتة لاستكمال زحفها إلى قلب مدينة دمشق، رفضت قيادات هذه الكتائب كل المناشدات والدعوات لانسحابها من أحياء المخيم، وزاد من ارتفاع عقيرة هذه المطالبات إقدام بعض مجموعات الجيش الحر على ممارسات غير مشروعة، مثل سرقات بعض المنازل والسيارات والمحال التجارية والمشافي، وهو ما ولد مزيداً من مشاعر الاستياء والغضب لدى من تبقى من الأهالي داخل المخيم بوقوع المخيم بين سندان حصار وقنص ومضايقات قوات النظام وبعض أتباعها الفلسطينيين على مداخل المخيم، وبين مطرقة الوجود المسلح والفوضوي للجيش الحر بداخله، تضاءلت فرص عودة الكثرة النازحة من الأهالي إلى بيوتها، وبقاء المخيم منطقة محفوفة بمخاطر القصف والقنص والاشتباكات.   
تجاهل هذه الحقائق مع غياب فهم موضوعي لخصوصية المخيم من الكتائب المسيطرة عليه، ما ساهم في تعقيد وعرقلة كل الحلول الممكنة لعودة أهالي المخيم إليه. ودون إغفال رفض النظام أي مسعى في هذا الاتجاه طالما أن المخيم لم يعد خاضعاً لسلطانه.       
يتضح جلياً من يوميات هذا الفصل الجديد، أن عسكرة المخيم وبقاء الكتائب المسلحة في أحيائه، ضاعف من تعقيدات حياة سكانه وأشكال معاناتهم المستمرة، ودون تقديم ما يبرر أو يُقنع أغلب أهله بجدوى استمرار هذا الاستنزاف الوجودي.

أخيراً: فيما تنحسر فرص وإمكانيات إنقاذ مخيم اليرموك من محنته الإنسانية الكبرى، الموزعة بين مصائد الموت المتربص بمن بقي بداخله، وقهر التشتت والعوز ومشكلات العبور إلى الدول العربية لمن نزحوا عنه، تترسخ القناعة المشفوعة بالأمل، أن انتهاء محنة اليرموك وبقية المخيمات الفلسطينية في سوريا باتت تقترن بخلاص الشعب السوري وتحقيق تطلعاته المنشودة. وهي الحقيقة التي تعمدت بوحدة الدم والمعاناة والمصير المشترك.

ولا بد أن الحراك السوري وتداعياتة على الوضع الفلسطيني في ظل المحنة الكبيرة التي يمر فيها مخيم اليرموك، طرحت بشدة وإلحاح سؤالاً على الهوية الوطنية الفلسطينية ومعناها في هذه اللحظة الفارقة في معناها الفلسطيني..[11] ليعود شعار "يا وحدنا" الفلسطيني صرخة لجزء من الشعب الفلسطيني تحكمه مشاعر الخذلان والضياع وقلق المصير.

الهوامش

[*] كاتب فلسطيني، مقيم في القاهرة.

[1] موقع الأونروا الألكتروني www.unarwa.org

[2] ـ صادق أبو حامد، الفلسطينيون في الثورة السورية، مداخلة في إطار مشروع رصد لمسار التغيير في العالم العربي، جامعة لويس، روما، إيطاليا.

[3]  ـ صلاح حسن، الفلسطينيون في سوريا والانتفاضة السورية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وحدة تحليل السياسات، أيلول (سبتمبر) 2012.

[4]  ـ موقع تجمع أحرار مخيم اليرموك وما حولها.. www.facebook.com.yarmok.free

[5]  مجلة إلى الأمام، العدد 2420، آب (أغسطس) 2012

[6] ـ تصريح لقناة العربية عقب قصف قوات النظام لمخيم اليرموك في 2/ 8/2012 ـ

[7]  ـ طارق حمود، اللاجئون الفلسطينيون في ظل الثورة السورية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أيلول (سبتمبر) 2012.

[8]  ـ مجموعة العمل من أجل فلسطيني سوريا، التقرير الإحصائي عن الشهداء الفلسطينيين في سوريا لغاية 25/1/2013.

[9]  ـ ماجد كيالي، قصة مخيم اليرموك مع الثورة السورية، جريدة الحياة اللندنية، الثلاثاء 25 كانون الأول (ديسمبر) 2012.

[10]  ـ المصدر نفسه.

[11] ـ سمير الزبن، الموقع الشخصي على الفيسبوك، تأملات في المصير الفلسطيني في سوريا.  

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website