الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة - مواقف إسرائيلية - عليّان الهندي - عدد 251

الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة- مواقف إسرائيلية

عليّان الهندي·

اعتمدت الحركة الصهيونية ومن بعدها دولة إسرائيل سياسة تجاه الفلسطينيين تنص على عدم السماح لأي تدخل دولي في تحديد مصيرهم مهما كانت الأسباب والظروف، وطرحت شروطا للتفاوض معهم منذ ثلاثينات القرن الماضي وحتى اليوم تنص على: المفاوضات المباشرة، والمفاوضات المنفردة، والمفاوضات من دون شروط مسبقة، ونتيجة لذلك فشلت المفاوضات مع الفلسطينيين في أواخر ثلاثينات القرن الماضي، ومع م.ت.ف خلال العقدين الماضيين بسبب غياب مرجعية واضحة للمفاوضات، ورضوخ الفلسطينيين لحصر رعاية المفاوضات ببريطانيا في النصف الأول من القرن الماضي، وبالولايات المتحدة الأمريكية منذ أواخر القرن. 

وبعد تولي بنيامين نتنياهو الحكم عام 2009 دخلت مسيرة السلام في مأزق أشد عمقاً من سابقاته، حيث صرّح أنه مستعد للتفاوض مع الفلسطينيين من دون شروط مسبقة أو جدول زمني محدد، معتبراً الضفة الغربية منطقة مختلفاً عليها، وليست أرضاً محتلّة، ما دفع السلطة الوطنية الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس للتوجه للأمم المتحدة من أجل الاعتراف بفلسطين كدولة كاملة العضوية فيها. غير أن التلويح باستخدام الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن دفع السلطة الوطنية الفلسطينية ورئيسها محمود عباس إلى التوجه للجمعية العمومية للحصول على مكانة دولة مراقب.

يرصد التقرير الحالي المواقف وردود الأفعال والإجراءات الإسرائيلية قبل وبعد الإعلان عن فلسطين كدولة عضو مراقب في الأمم المتحدة. 

محاولات منع التوجه للأمم المتحدة

منذ إعلان السلطة الوطنية الفلسطينية نيتها التوجه للأمم المتحدة للحصول على مكانة دولة، شنت إسرائيل وقياداتها المختلفة حملة متنوعة بدأتها بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، وقد حاولت من خلالها تصويره على أنه غير شريك في المفاوضات والحلول، وأنه المعطل لعجلة انطلاقها، وأنه لا يقل إرهاباً عن حماس وكتائب شهداء الأقصى، وهو "ذئب بلباس حمل"، ولا يختلف في مواقفه من قضايا الحل النهائي عن ياسر عرفات وحماس والجهاد الإسلامي. ووصلت الحملة ضده حداً طالب فيها وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان بإسقاط محمود عباس من قيادة السلطة وإنهائها[1]. كما طلبت إسرائيل من الولايات المتحدة ممارسة الضغوط وتوجيه تهديدات للرئيس الفلسطيني (نقلت رسائل التهديد هيلاري كلينتون خلال اجتماع عقد بينهما في رام الله) تبلغه فيها بأنه يدمر نفسه سياسياً في حال قرر التوجه للأمم المتحدة. ودفع حجم الضغوط وقوتها التي مورست على الرئيس إلى القول "أن هناك ضغوطاً لم تتوقف ولا تتحملها الجبال، لكننا سنتحملها[2]".

وفي السياق نفسه، ادعت إسرائيل أن السلطة الفلسطينية غير جاهزة وغير مستعدة لقيادة دولة، وهي ضعيفة لدرجة أن أي انسحاب إسرائيلي من الضفة الغربية سيؤدي إلى سقوط سلطة الرئيس محمود عباس وتسلم حماس "والقوى المتطرفة" الأخرى سدة القيادة. واستعانت إسرائيل بعدم جاهزية الفلسطينيين لقيادة دولة أو الاعتراف بها، بوجود انقسام شديد بين الفلسطينيين أدى إلى إقامة كيانين لهم، الأول في الضفة الغربية وتقوده حركة فتح، والثاني في قطاع غزة وتقوده حركة حماس. 

وللضغط على السلطة الوطنية الفلسطينية وم.ت.ف بعدم التوجه للأمم المتحدة برزت في إسرائيل دعوات تطالب بالتفاوض مع حركة حماس كبديل للسلطة خاصة أن حركة حماس مثلها مثل إسرائيل لا تتطلع لحل نهائي، وأقصى حل تتطلع له هو هدنة طويلة الأجل، التي تلتقي مع المصلحة الإسرائيلية القائلة بأن الوقت يعمل لصالحها وبالتالي يجب عدم التوصل لحل نهائي مع الشعب الفلسطيني. غير أن الأمر لم يتوقف على التصريحات والدعوات فقط، وبحجة وجود الجندي الإسرائيلي غلعاد شاليط في الأسر الفلسطيني، أجرت إسرائيل حواراً مباشراً وغير مباشر مع حركة حماس أرادت من خلاله توصيل رسائل للسلطة الوطنية الفلسطينية أن هناك بديلاً لها وللرئيس الفلسطيني[3].

وإضافة لذلك، ومن أجل الخروج من المأزق الذي وضعت إسرائيل نفسها فيه، ولثني السلطة الوطنية الفلسطينية عن التوجه للأمم المتحدة، عرضت مقترحات لحلول مرحلية جديدة بعيدة المدى، تضمن بعضها فتح قنوات لمفاوضات للتوصل لحل نهائي. غير أن الخوف الفلسطيني من عقدين جديدين من الحلول المرحلية والمفاوضات غير المنتهية، دفعها لرفض هذه المقترحات والتوجه نحو الأمم المتحدة[4].

علاوة على ذلك، وبطلب من إسرائيل، قرر الكونغرس الأمريكي وقف تقديم أية مساعدات أمريكية للسلطة الوطنية الفلسطينية في حال قررت التوجه إلى الأمم المتحدة للحصول على مكانة دولة. ولم يتوقف القرار الأمريكي على وقف المساعدات فقط، بل امتد ليشمل وقف كل مساهمة مالية أمريكية في المؤسسات الدولية التي تعترف بالفلسطينيين كدولة. وانضمت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى الجهود لمنع الفلسطينيين من التوجه للمؤسسة الدولية، حين أجهضت الطلب الفلسطيني ملوحة باستخدام حق النقض في مجلس الأمن لرفض قبول عضوية دولة فلسطين في الأمم المتحدة أواخر عام 2011. وضغطت بعد ذلك على مختلف الدول لرفض الاعتراف بالدولة الفلسطينية، كدولة مراقب عند التصويت عليها في الجمعية العمومية[5].

ولم يتوقف العمل لإجهاض التوجه الفلسطيني على الساحتين الداخلية والأمريكية، بل امتد ليشمل كل دول العالم، خاصة أوروبا، حيث ألغت وزارة الخارجية الإسرائيلية كل إجازات سلكها الدبلوماسي ووضعت مخططاً يهدف بالأساس إلى تقليل عدد الدول التي ستعترف بفلسطين خاصة الأوروبية منها. وأشارت البرقيات الصادرة عن وزارة الخارجية الإسرائيلية والمرسلة لدبلوماسييها في الخارج أن الهدف من الخطوة الفلسطينية هو المس بشرعية وجود دولة إسرائيل، وتحطيم المبدأ الذي قامت عليه المفاوضات التي تعتبر الطريق الأساسية والوحيدة لحل النزاع بين الجانبين. وأضافت الوثيقة التي سميت "إعاقة الخطوة الفلسطينية في الأمم المتحدة – توجيهات للعمل" أن على إسرائيل: "عدم التنازل عن أية دولة مهما قل شأنها، والتوجه لكل مراكز القوى والمستويات القيادية فيها، والاستعانة بالمنظمات اليهودية المتواجدة فيها، وطلب المساعدة من المنظمات غير الحكومية الصديقة لإسرائيل بهدف إقناع هذه الدول بعدم التصويت أو الامتناع عن التصويت على ضم فلسطين كدولة مراقب في الأمم المتحدة"[6].

تهديدات وفرص

أيقظت الرغبة الفلسطينية بالتوجه للأمم المتحدة للحصول على مكانة دولة، مبكراً مؤسسات دولة إسرائيل الرسمية وغير الرسمية للبحث في نتائج وانعكاسات الخطوة الفلسطينية عليها. وهناك من اعتبرها تهديداً يتطلب من إسرائيل مواجهته، فيما اعتبرها البعض الأخر فرصة يجب استغلالها والبناء عليها من أجل الوصول لدولة ديمقراطية ذات أغلبية يهودية. وطرح المعارضون للتوجه الفلسطيني سلسلة من المبررات يتبنون فيها توجهات مؤسسات الحكم في إسرائيل، وهي:

1. حصول الفلسطينيين على مكانة دولة بداية لفرض حل دولتين لشعبين بشروط غير مريحة لإسرائيل.

2. ترسيم الحدود مع الفلسطينيين بشكل أحادي الجانب وليس وفق اتفاق بين الجانبين لا يتضمن تنازلات فلسطينية في القضايا الجوهرية مثل القدس وحق العودة والتسويات الأمنية والحدود.

3. بداية لدفن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل إلى الأبد. وإعطاء دور للمؤسسات الدولية التي لا ترى إسرائيل بتدخلها أمراً مريحاً لها نظراً لتبنيها وجهات نظر أقرب إلى الفلسطينيين منها للإسرائيليين. 

4.  الموافقة على ضم الدولة الفلسطينية كدولة مراقب في الأمم المتحدة، يمنحها الحق في الانضمام للمؤسسات الدولية الأخرى، خاصة محكمة الجنايات الدولية، ما يؤدي لتقليص مساحة المساومة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، نظراً للحقوق الدولية في مناطق الدولة المعلن عنها.  

5. عدم تطبيق قرار الاعتراف بالدولة الفلسطينية على الأرض، يدفع إلى مزيد من الاحباط في الشارع الفلسطيني، ما يؤدي إلى اندلاع انتفاضة شعبية ضد الوجود الإسرائيلي.

6. الاعتراف بالدولة الفلسطينية يفقد إسرائيل أحد عناصر الضغط على الفلسطينيين للاعتراف بإسرائيل كدولة ديمقراطية ذات أغلبية يهودية.

7. ربما تؤدي الموافقة الدولية على الدولة الفلسطينية، لبدء سلسلة من الإجراءات الإسرائيلية تؤدي في نهايتها لإعادة السيطرة الإسرائيلية على كل الضفة الغربية، وحل السلطة فيها والتوجه نحو حل الدولة الواحدة الذي لا ترغب به إسرائيل، أو قيام دولة إسرائيل كدولة عنصرية، أو فصل أحادي الجانب يؤدي لسيادة الفوضى ولسيطرة التيارات الدينية "المتطرفة".

8. الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، ورفض إسرائيل لهذا الاعتراف، يساعد في نزع شرعيتها ويزيد من عزلتها الدولية. 

9. رفض إسرائيل للاعتراف الدولي، يعتبر بداية لتوجه فلسطيني وعربي وإسلامي لفرض عقوبات دولية على إسرائيل – مثل العقوبات التي فرضت على جنوب إفريقيا، وأدت في نهاية المطاف إلى نهاية النظام العنصري فيها- تجبر إسرائيل على الانسحاب لحدود الرابع من حزيران (يونيو)، وطرح مطالب جديدة غير تلك الناتجة عن حرب عام 1967.

أما المؤيدون لاعتراف الأمم المتحدة بالدولة ويعتبرون ذلك فرصة تحقق لإسرائيل أهدافاً عديدة خاصة إذا تطور الاعتراف إلى خطوات عملية تترجم إلى حقائق على الأرض، فيطرحون: 

1. تمكن إسرائيل من إنشاء دولة ذات أغلبية يهودية كبيرة وديموقراطية.

2. يحول الصراع مع الفلسطينيين من شعب محتل ضد دولة احتلال، إلى خلاف حدودي بين دولتين.

3. يؤجل بحث قضايا الحل النهائي المشكلة إزعاجاً للطرفين مثل القدس والحدود وحق العودة، ويمنح إسرائيل فرصة للبحث عن حلول خلاقة وهي بظروف مريحة.

4. ربما يؤدي الإعلان عن الدولة إلى تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، كونها تحولت لخلاف حدودي بين دولتين.

5. يجدد الأمل في صفوف الفلسطينيين باحتمال التوصل لحل، خاصة إذا ترافق ذلك مع تأييد وخطوات إسرائيلية باتجاه الحل.

6. يدفع الاعتراف بالدولة الفلسطينية إلى تراجع حملة عدم الشرعية التي تواجهها إسرائيل في مختلف أنحاء العالم، وفي مقدمتها محاولات نزع الشرعية عنها في أوروبا.

7. يساعد اعتراف إسرائيل بالدولة الفلسطينية في استمرار اتفاقيات السلام مع مصر والأردن خاصة إثر أحداث الربيع العربي وتولي أحزاب الأخوان المسلمين الحكم في الدول العربية. وبالتالي التخفيف من حدة التوتر في المنطقة، والمساهمة في الاستقرار الاقليمي.

8. يساعد الولايات المتحدة في إعادة تعزيز مكانتها التي شهدت تراجعاً بعد أحداث الربيع العربي.

رد الفعل

صوتت الجمعية العمومية التابعة للأمم المتحدة في 29/11/2012 لصالح منح فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو (أيد القرار 138 دولة، وعارضه 9 دول، وامتنعت 41 دولة عن التصويت). وتضمن القرار الذي أقرته الجمعية العامة نصاً يعرب عن الأمل بأن ينظر مجلس الأمن إيجابا" في قبول طلب الدولة الكاملة العضوية في الأمم المتحدة الذي قدمه الرئيس الفلسطيني محمود عباس في أيلول (سبتمبر)2011 وتعثر في مجلس الأمن بفعل تهديد الولايات المتحدة باستخدام حق النقض الفيتو. ويدعو القرار أيضاً إلى استئناف المفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية المتعثرة منذ أكثر من سنتين للوصول إلى تسوية سلمية تسمح بقيام دولة فلسطينية تعيش بجانب دولة إسرائيل في سلام وأمن على أساس حدود ما قبل 1967.

ولم يتأخر الرد الإسرائيلي، حيث أعلن المندوب الإسرائيلي في الأمم المتحدة رون باوتشر الذي ألقى خطاباً بعد الرئيس محمود عباس بقوله أن: "الفلسطينيين يضيعون فرصة إقامة دولة فلسطينية كما ضيعوها قبل 65 عاماً... وفي الوقت الذي تتطلع فيه إسرائيل للسلام، يتهرب الفلسطينيون منه... ومقابل ذلك، يرفض الرئيس الفلسطيني الاعتراف بالدولة اليهودية ويحاول إعادة كتابة التاريخ بدلا من صناعته مع إسرائيل... ولن يلغي القرار الذي نرفضه العلاقة التاريخية بين اليهود و"أرض إسرائيل" القائمة منذ أربعة آلاف عام"[7]. 

أما رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو فوصف خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي قال فيه أن إسرائيل تقوم بتطهير عرقي في الضفة الغربية بأنه :"خطاب الشيطان الذي يقطر سُما ومليء بالدعاية الكاذبة ضد الجيش والمواطنين الإسرائيليين، وأن من يتحدث بهذه الطريقة لا يريد سلاماً". وفي خطاب ألقاه بمناسبة مرور 35 عاماً على زيارة الرئيس المصري أنور السادات للقدس قال نتنياهو إن: "القرار الدولي لن يغير شيئا على الأرض، ولن يساعد على قيام دولة فلسطينية بل يبعدها، وأن الطريق الوحيدة للتوصل لتسوية مع الفلسطينيين هي طريق المفاوضات، وليست قرارات أحادية الجانب صادرة عن الأمم المتحدة لا تأخذ بعين الاعتبار الوجود والاحتياجات الأمنية الإسرائيلية[8]".

أما النائب الثاني لرئيس الحكومة موشيه يعلون وأكثر الوزراء الإسرائيليين تطرفاً فقد انتقد القرار موضحاً، بأن الحديث يدور عن خرق واضح وجوهري للاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، وهو خطوة فلسطينية أحادية الجانب تبعد كثيراً هامش التوصل لحل نهائي، لن يتم التوصل إليه إلا بالمفاوضات، ومن دون شروط مسبقة[9].

أما وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان فقد رفض القرار الدولي وأعلن أن :"أبو مازن يمارس الإرهاب السياسي ويعمل على نزع شرعية إسرائيل من خلال مطالبته بمقاطعة إسرائيل وتقديم مطالبه في الخارج وليس على طاولة المفاوضات، ونملك الكثير من الوسائل كي نجعله يندم على أفعاله"[10]. ووصف وزير الداخلية الإسرائيلي ورئيس حزب شاس إيلي يشاي (أكبر الأحزاب الدينية) بأن القرار مرفوض، وإسرائيل لن تعترف بالدولة الفلسطينية مطلقا[11]". 

أما رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق إيهود أولمرت فقد أيد القرار واعتبره مفيداً لإسرائيل، لأنه يساعد في ترجمة التوجه الداعي لقيام دولة ديموقراطية ذات أغلبية يهودية في إسرائيل[12].

وكرد فعل على التصويت في الأمم المتحدة صرحت رئيسة حزب العمل شيلي يحيموفيتش أن القرار جاء نتيجة الجمود المتواصل، وعلى نتنياهو وليبرمان أن يسألا نفسيهما كيف تسببت إسرائيل لنفسها بخيبة أمل وبتقديم هدية بهذا الحجم للفلسطينيين. أما رئيسة حزب ميرتس زهافا غالئون فقد صرحت: الآن أقيمت الدولة الفلسطينية، وحان الوقت لإيجاد شريك إسرائيلي[13].

وعلى الصعيد الشعبي في إسرائيل، فقد دلت استطلاعات أجرتها صحيفة هأرتس أن أكثر من 75% يؤيدون انضمام فلسطين للأمم المتحدة لأنها تخدم المشروع الصهيوني الداعي لإقامة دولتين لشعبين. فيما أجرى المستوطنون استطلاعاً شبيهاً أفاد بأن 75% من الإسرائيليين يرفضون قيام دولة فلسطينية. وفي نفس السياق، تجمع نشطاء يساريون بمبادرة من حزبي ميرتس وحداش للمشاركة في مظاهرة تأييد إقامة دولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران (يونيو)[14].

قرارات للرد على القرار

ذكرت مقدمة قرار الحكومة للرد على القرار الدولي بأن للشعب اليهودي حقوقاً طبيعية وتاريخية وشرعية وقانونية في وطنه وعاصمته الأبدية القدس، وفي دولة إسرائيل كدولة للشعب اليهودي، الذي له حق ومطالب في المناطق المختلف على مكانتها في أرض إسرائيل. ونص القرار على:

1. رفض قرار رقم 191/67 الصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة الصادر بتاريخ 29 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2012 .

2.  القرار لن يغير مكانة المناطق المختلف عليها، ولا يمنحها أية حقوق، ولا ينتقص حقاً من أية حقوق لدولة إسرائيل والشعب اليهودي على أرض إسرائيل.

3.  لن يكون القرار الدولي أساساً لأية مفاوضات مستقبلية، ولا يعتبر مساعداً على التوصل لحل بالطرق السلمية[15].

وفي نفس الاجتماع صرح بنيامين نتنياهو أن الرد الإسرائيلي على القرار الدولي، هو بتسريع الاستيطان في المناطق المختلفة، مثل رد حكومة إسحاق رابين الأولى عام 1975 على القرار الدولي الذي ساوى بين العنصرية والحركة الصهيونية. وعلى هذا الأساس، وبعد التشاور مع وزيري الدفاع والمالية تقرر تسريع مخططات البناء في منطقة E1 الواقعة بين مستوطنة معاليه أدوميم والقدس، بهدف إحكام الطوق اليهودي حول القدس العربية وقطع الضفة الغربية إلى قسمين نظراً لوجود مخططات إسرائيلية لمد مستوطنة معاليه أدوميم حتى منحدرات البحر الميت، وبناء 3000 شقة في كتل المستوطنات بالضفة الغربية وشرقي القدس، وسرقة عائدات الضرائب الفلسطينية المقدرة بـ100 مليون دولار شهرياً.[16]

وفي سياق متصل، بدأ الجيش الإسرائيلي وجهاز المخابرات العامة يتوقعون بداية عهد جديد في الضفة الغربية، ما دفعهم لبداية وضع مخططات لمواجهة انتفاضة ثالثة حرصت إسرائيل كثيراً على عدم اندلاعها في الضفة الغربية، نظراً لانعكاسات ذلك محلياً وعربياً ودولياً على إسرائيل.[17]

نتائج

رأت إسرائيل بنتيجة التصويت في الجمعية العمومية التابعة للأمم المتحدة هزيمة سياسة لها، وبداية لتدخل دولي إذا استمر، سيدفع باتجاه ممارسة ضغوط وفرض عقوبات على دولة إسرائيل للتوصل إلى حل وفق الرؤية الفلسطينية من دون أن يأخذ بعين الاعتبار المطالب السياسية والقانونية والأمنية الإسرائيلية. كما اعتبر بداية لحرب خاسرة مع السلطة الوطنية الفلسطينية لدخول باقي المؤسسات الدولية، خاصة محكمة الجنايات الدولية التي ترى إسرائيل بانضمام الفلسطينيين إليها خطراً على قياداتها السياسية والأمنية. وعبر عن حالة الهزيمة في الأمم المتحدة غياب وزيرا الخارجية والدفاع، الذي تصادف وجودهما في الولايات المتحدة، عن التصويت على قبول عضوية فلسطين كدولة مراقب في هذه المؤسسة الدولية[18].

ودفع الإحباط بعدم تحقيق شيء في الجمعية العمومية بأحد كبار مسؤولي وزارة الخارجية إلى القول أننا في معركة سياسة خاسرة مع الفلسطينيين، ولو أرادوا تمرير قرار بأن الشمس تشرق من الغرب لتمكنوا من ذلك. وعندما أدرك موظفو وزارة الخارجية الإسرائيلية فشلهم في ثني الكثير من الدول عن تأييدهم للطلب الفلسطيني، طلبوا من هذه الدول إصدار بيانات يعربون فيها أن تأييدهم لعضوية فلسطين هو تأييد رمزي فقط، وليس بديلاً عن المفاوضات، ولا يعتبر مرجعية لأية مفاوضات لترسيم الحدود بين الطرفين[19].

ورأت إسرائيل بأن الجانب القانوني لا يقل خطورة عن الهزيمة السياسية التي لحقت بها، واعتبرت أن الاعتراف بعضوية دولة فلسطين كمراقب سيدفع الفلسطينيين إلى الانضمام إلى المؤسسات الدولية الأخرى خاصة محكمة الجنايات الدولية، التي حاولت إسرائيل إقناع بعض الدول الأوروبية أخذ التزام من الفلسطينيين بعدم الانضمام لهذه المنظمة مقابل التصويت لصالحهم في الجمعية العمومية. وفي حال تحقق وانضمت فلسطين لمحكمة الجنايات الدولية، فإن ذلك يعني مد صلاحيات هذه المحكمة على أراضي الدولة المحتلة، وتقديم شكاوى ضد القيادات الأمنية والسياسية على جرائم الحرب المرتكبة ضد الفلسطينيين[20].

نتيجة أخرى توصلت لها إسرائيل من وراء التصويت لصالح عضوية فلسطين دولة مراقباً في الجمعية العمومية هي تراجع حالة الردع التي تعتبر من أهم العناصر الأمنية الإسرائيلية في مواجهة الفلسطينيين والعرب. ورأت إسرائيل بالتوجه الفلسطيني للمؤسسات الدولية بداية لمرحلة ستصل في نهايتها إلى اندلاع انتفاضة شعبية ثالثة ضدها، لا تستطيع إسرائيل فيها استخدم الوسائل العسكرية المتاحة لها في مواجهة الفلسطينيين، نظراً لوجود المؤسسات الدولية، خاصة محكمة الجنايات الدولية. واندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة خاصة في الضفة الغربية ربما يؤدي إلى ممارسة ضغوط شعبية عربية على الأنظمة الحاكمة، تؤدي لاندلاع حرب إقليمية جديدة وإلغاء اتفاقيات السلام المبرمة مع مصر والأردن واتفاقيات أوسلو ووقف إطلاق النار مع سوريا ولبنان[21].

خلاصة

يعتبر التصويت لصالح قبول فلسطين كدولة مراقب في الأمم المتحدة إنجازاً سياسياً ونضالياً يتطلب البناء عليه من أجل تطويره ليشكل إحدى الأدوات النضالية، وبداية لطريق طويلة تؤدي في نهايتها إلى حصول الفلسطينيين على حقوقهم الوطنية والشرعية، وفي مقدمتها الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. لكن إذا اعتبرت هذه الخطوة أداة ضغط على إسرائيل كي تعود للمفاوضات فقط، حتى ولو وفق مرجعيات جديدة، فإن ذلك سيدخلنا في دوامة جديدة من المفاوضات ستوصلنا في نهايتها إلى الوضع الذي نحن فيه اليوم.

ومقابل رد الفعل الإسرائيلي والعقوبات التي فرضت على السلطة الوطنية الفلسطينية بعد توجهها للأمم المتحدة، التي يعتبر مجرد تنفيذها والاستمرار فيها بداية لنكبة جديدة تحل على الفلسطينيين، علينا اتخاذ خطوات نضالية سلمية تتماشى مع برنامج الرئيس الفلسطيني محمود عباس للنضال السلمي، نقاطع فيها المستوطنات نهائياً، ونمتنع فيها عن دفع مستحقات الخدمات المفروضة علينا من إسرائيل، وخلق أزمة إنسانية في الضفة الغربية تجبر في نهايتها إسرائيل على التخلي نهائياً عن استخدام هذا النوع من العقوبات بحق الفلسطينيين، وشن حملة سياسية تجرم الاحتلال وترفع الغطاء الشرعي عنه، والتوجه للمؤسسات الدولية خاصة محكمة الجنايات الدولية لتقديم مجرمي الحرب الإسرائيليين للمحاكمة، وبعث رسائل واضحة للمجتمعين الإسرائيلي والدولي. إن استمرار الوضع القائم لا يجعل الضفة الغربية منطقة مختلفاً عليها فقط، بل يؤكد أن كل فلسطين التاريخية منطقة مختلف عليها.

الهوامش

·  كاتب مختص في الشؤون الإسرائيلية، ومترجم للغة العبرية، مقيم في رام الله.

[1]. برندشتاين إيلي، الضغط على يهود الولايات المتحدة لعدم الاجتماع مع أبو مازن، معاريف، 24/9/20012.

[2]. الموقع الاليكتروني لشبكة أمين للإعلام العربي،wordpress.com ، هيلاري كلينتون تهدد محمود عباس، 23 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012.

[3]. يشاي بن رون، مؤامرة: نتنياهو والخطر المستبعد، جريدة يديعوت أحرنوت، 20/9/2012.

[4]. غيورا أيلاند وأخرون، اقتراح لتسوية مرحلية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، مجلس أبحاث الأمن القومي، مجلة آخر التطورات الاستراتيجية، 2010. 

[5]. زغاري عبير، وقف المساعدات الأمريكية يخيب آمال الفلسطينيين، الموقع الاليكتروني لمؤسسة مفتاح www.miftah.org،  5/10/2011.

[6]. ربيد براك، وزارة الخارجية للسفراء: هكذا تمنعون الاعتراف بفلسطين في الأمم المتحدة، الموقع الاليكتروني لصحيفة هأرتس. www.haartz.co.il. 10/6/2012.

[7]. مراسلو صحيفة هأرتس، آخر التطورات من التصويت في مجلس الأمن، بأغلبية كبيرة وافقت الجمعية العمومية على فلسطين كدولة مراقب. موقع جريدة هأرتس الاليكتروني، 30/11/2012 www.haartz.co.il   .

[8]. نشرة خاصة من القناة الإسرائيلية الثانية بمناسبة التصويت في الجمعية العمومية على قبول فلسطين كدولة مراقب بالأمم المتحدة. 29/11/2012

[9]. المصدر نفسه.

[10].المصدر نفسه.

[11]. المصدر نفسه.

[12]. دغوني ران، أولمرت يدعم الفلسطينيين في الأمم المتحدة، الموقع الاليكتروني لجريدة الأعمال في إسرائيل: غلوبس"  www.globes.co.il، 29/11/2012.   

[13]. شاحر إليائيل، في القدس يواصلون مهاجمة السلطة وأبو مازن، إذاعة الجيش الإسرائيلي "غاليه تساهل"، برنامج صباح الخير إسرائيل الإخباري 30/11/2012.

[14]. مصدر سابق، آخر التطورات من التصويت في مجلس الأمن.

[15]. الموقع الاليكتروني لرئيس الحكومة الإسرائيلية  www.pmo.gov.il. رفض قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة الصادر بتاريخ 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012. صدر قرار الحكومة الإسرائيلية بتاريخ 2/12/2012.  

[16]. ربيد براك، رد إسرائيل على الاعتراف بفلسطين، الموقع الإليكتروني لهآرتس،www.haartz.co.il  . 3/12/2012.

[17]. رببورت عمير، الجيش يستعد للمواجهة، معاريف، 9/12/2012. 

[18]. مصدر سابق، رد إسرائيل على الاعتراف بفلسطين.

[19]. مصدر سابق، رد إسرائيل على الاعتراف بفلسطين.

[20].  المحاميان آن سوشيتو وليمور يهودا، حقوق الانسان في المناطق المحتلة: الانعكاسات الممكنة لخطوة الاعتراف بالدولة الفلسطينية. الموقع الاليكتروني لجمعية حقوق المواطن في إسرائيل  www.acri.org.il . 11/12/2012.

[21]. شلومو بروم وعنات كوارس، التقييم الاستراتيجي الإسرائيلي السنوي، ترجمة عليان الهندي، مركز أبحاث الأمن القومي- جامعة تل أبيب، ص 49، نشرت الترجمة من قبل حركة التحرير الوطني الفلسطيني- مفوضية الإعلام في فتح. 2011. 

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website