قراءة في العدوان الإسرائيلي على غزة تشرين الثاني (نوفمبر) 2012 - تيسير محيسن - عدد 251

قراءة في العدوان الإسرائيلي على غزة تشرين الثاني(نوفمبر) 2012

الأسباب والتداعيات

·تيسير محيسن

 

اكتسبت الحرب الأخيرة على غزة، رغم قصر فترتها، أهمية فائقة من الناحيتين الرمزية والإستراتيجية. إذ بدت بوصفها حرباً فارقة على مصير قطاع غزة والضفة الغربية، من ناحية، وحرباً كاشفة لطبيعة الصراع ووجهته على مصير الإقليم المتحول ومكانة إسرائيل فيه، من ناحية ثانية.

في حربها الجديدة، "عمود السحاب" أو "عمود الدفاع"، تضرب إسرائيل ثلاثة عصافير دفعة واحدة: مواصلة الصراع السيزيفي للتخلص من قطاع غزة، والولوج إلى ساحة الإقليم المتحول عبر البوابة المصرية، ومواصلة مخططها في الضفة الغربية والإجهاز على آخر معالم الكيانية السياسية فيها.

عملية "عمود السحاب" جولة في مسلسل صراع طويل ودامٍ. يمكن النظر إليها، بوصفها "بروفة" عملية لتطبيق "إستراتيجية الردع" التي طورها اليمين الحاكم في إسرائيل استناداً إلى عقيدة جابوتنسكي. تنطوي هذه الاستراتيجية على ثلاثة مكونات متداخلة: فك الارتباط، وفرض الوقائع على الأرض، واستخدام القوة العسكرية (أو التهديد باستخدامها).

تفترض هذه القراءة التحليلية لعملية "عمود السحاب"؛ أنه يمكن فهم أبعاد هذه العملية وتداعياتها، في إطار محددين رئيسين؛ الأول يتعلق بالمنظور الإستراتيجي الإسرائيلي الذي تبلور تدريجياً تجاه قطاع غزة في سنوات ما بعد النكبة (1948) بوصفه "معضلة" (تعتبر خطة الفصل أحادي الجانب واحدة من أخطر الترجمات العملية لهذا المنظور). ويتصل المحدد الثاني بالعوامل السياقية المتغيرة، داخل إسرائيل وفي محيطها.

بينت وقائع ما قبل الحرب وإبانها أن إسرائيل هي التي سعت إليها وخططت لها. وليس للأمر علاقة بالانتخابات، كما يزعم البعض، إلا من زاوية التوقيت واحتمالات التأثير على نتائجها. فمن الناحية السياسية والإستراتيجية، يرقى قرار الحرب إلى مستوى القرارات الاستراتيجية ذات الصلة بأمن إسرائيل القومي. من هنا، فالمبالغة في تصوير ما حدث بوصفه انتصاراً، والخلط بين الصمود والانتصار، لا يخدمان أبداً في استخلاص العبر والاستعداد للجولة القادمة.

معضلة غزة:

واجهت إسرائيل بعد النكبة ثلاثة تحديات، ارتبطت بالوجود الفلسطيني، وانطوت، من حيث الجوهر، على هاجس المحافظة على ما حصلت عليه بالقوة من ناحية، واستكمال ما لم تحصل عليه من ناحية ثانية. واجهت التحدي الناجم عن بقاء فلسطينيي الداخل بالقمع والحكم العسكري والاضطهاد القومي ومحاولات الأسرلة وفرض المواطنة المنقوصة والمقيدة. كما واجهت تحدي الشتات الفلسطيني الذي عبر عن ذاته بانبعاث الشخصية الوطنية الفلسطينية وبالكفاح المسلح، بالاستناد إلى التخاذل العربي الرسمي، والدعم الأميركي المتواصل، عبر سلسلة من العمليات والهجمات العسكرية، أبرزها، حرب لبنان 1982. تعتبر خطة الفصل وتوابعها من الممارسات الإسرائيلية على الأرض[1]، بمثابة الرد الإسرائيلي على التحدي الذي شكلته الضفة الغربية وقطاع غزة، بعد عام 1967. تمثل هذا التحدي في تشكل إرهاصات مجتمع سياسي، في زمن الاحتلال، ومن ثم كيانية سياسية بموجب اتفاقية أوسلو، على طريق إقامة الدولة المستقلة استناداً إلى مبدأ "حل الدولتين". أعاد صعود اليمين القومي والديني، إلى ساحة الجدل السياسي، إحياء فكرة الحل الإقليمي وضمان دولة يهودية، وبالتالي تقويض حل الدولتين والإجهاز على الطابع الدولاني للسلطة الفلسطينية.

تشكل المنظور الإستراتيجي الإسرائيلي تجاه قطاع غزة من مجموعة متضافرة ومتداخلة من عوامل ومؤثرات توراتية وجغرافية وديموغرافية وأمنية، حددت موقع غزة من المشروع الصهيوني. لعنها المكابيون، إبان ثورتهم على الرومان، وطردوها من "رحمة الرب" بعد أن أعياهم صمودها خلف أسوارها المنيعة. "غزة ستبقى شوكة في حلق إسرائيل، لا تبتلع ولا تلفظ، لا تموت ولا تحيا" طبقاً للصحفي الإسرائيلي المعروف، ناحوم برنياع.

 

الديموغرافيا في الخاصرة: شكل القطاع ذو المساحة المحدودة للغاية، أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين على تخوم إسرائيل، ومن ثم داخلها بعد احتلاله، حيث لا يفصل الفلسطيني اللاجئ، المعذب والمهان، عن منزله المهّدم وأرضه المسلوبة، سوى بضعة كيلومترات وأحياناً أمتار، ما شكل على الدوام حافزاً ليس لبقاء الذاكرة حية فحسب، بل وللفعل الثوري المتواصل بهدف العودة كسجال سيزيفي لا ينقطع. فشلت إسرائيل في التغلب على هذا الجانب من المعضلة، مع تفاقمها بالزيادة السكانية الهائلة، سواء تعلق الأمر بمحاولة التوطين في سيناء أو بالاحتلال المباشر أو حتى بالتسليم بكيانية سياسية ذاتية مقلصة ومحاصرة. ومنذ الانتفاضة الأولى التي اندلعت شرارتها الأولى في أزقة القطاع انبثقت إستراتيجية الانسحاب والفصل أحادي الجانب لدى خبراء إستراتيجيين إسرائيليين لتصبح لاحقاً سياسة إسرائيلية رسمية[2]. مفردات هذه السياسة من حصار واغتيالات واجتياحات متكررة هدفت في المقام الأول، إلى كي الوعي، محو ذاكرة وخلق ذاكرة جديدة بالردع المتكرر باستخدام تقنيات القوة المجردة، المنفلتة من ضوابطها الأخلاقية وحتى السياسية، لزرع دمار غير قياسي، وفرض تغيير جوهري في معادلة الكلفة والجدوى.

 

الجغرافيا الملتهبة: شكل قطاع غزة، مع صحراء سيناء، منطقة رخوة تقاطعت فيها نيران دولتين كبريين، مصر وإسرائيل في أكثر من حرب. ولما كانت مصر دولة تحسب لها إسرائيل حسابات معقدة، فقد قبلت بالترتيبات الأمنية وبخروج مصر من دائرة الصراع المباشر معها، مقابل الانسحاب من سيناء بموجب اتفاقية كامب ديفيد (1977). مع اندلاع الثورة المصرية، وصعود التيار الإسلامي، ارتخت القبضة الأمنية في سيناء واكتشف المصريون أوجه الخلل والقصور في الاتفاقية التي تقيد قدرتهم على بسط السيادة المصرية بالكامل. من جانبها أدركت إسرائيل الخطر، فراحت تضغط على القيادة المصرية الجديدة، مستغلة الفوضى الأمنية في سيناء وربطها بواقع قطاع غزة، بالتهديد بحرب لا تستطيع مصر أن تخوض غمارها الآن، لفرض إملاءات وترتيبات جديدة، بما في ذلك السماح لها بالعبور إلى معمعان المحيط الإقليمي المتغير وضمان حصتها فيه (الأرض، المياه، الملاحة، الغاز). 

وضعت عملية "الرصاص المصبوب" قطاع غزة، بالمعنى الاستراتيجي، على حافة الهاوية، باستخدام تكتيك الخلخلة/الصعقة (الأكورديون). لم تصل حد التسبب في النزوح السكاني باتجاه الجنوب، وإن خرجت مئات الأسر من منازلها (قطعت الدبابات الإسرائيلية الطريق طوال فترة الحرب، تجنباً لإحراج القيادة المصرية آنذاك). لكنها أرادت أن تمحو ذاكرة وتخلق أخرى، قوامها أنه ليس فقط لم يعد بالإمكان العودة إلى المكان الأصلي، بل وحتى هذا المكان المؤقت لم يعد آمناً! "هذه الحرب استمرار للمشروع والسلوك الإقليمي الإسرائيلي الذي تبنى هدفاً متشدداً ووحشياً يتمثل في إسكات الزمن الفلسطيني.. الذي يشكل أيضاً محواً للمكان الفلسطيني ومعه الحقوق السياسية الكاملة..الغزو الإسرائيلي لغزة ليس فقط عملية لوقف الصواريخ، أو لتلميع شخصيات للانتخابات أو محاولة لترميم الردع"[3].

جاءت عملية "عمود السحاب" لتحيي هذه الذاكرة في زمن ترغب فيه إسرائيل بشدة في إحراج القيادة المصرية وقياس ردود أفعالها. لجأت للتهديد بالحرب البرية، وهي في الذاكرة تعني أن المكان لم يعد آمناً (قرب نهاية الحرب وقبل التوصل إلى تفاهمات، وزع الجيش الإسرائيلي على سكان المناطق المحاذية منشورات بهذا المعنى)، ويبدو أن القيادة المصرية أدركت فحوى الرسالة، فإن هي لم تقبل بسط وصايتها السياسية، فسوف تُضطر لتلقف كرة النار المقذوفة في وجهها! وليس ثمة دبابات تحول دون ذلك في الطريق إلى الجنوب، هذه المرة.

 

تكريس الفصل

أفصح وزير الدفاع الإسرائيلي، نهاية شهر أيار (مايو) 2012، عن نيته طرح خطة لفك الارتباط في الضفة الغربية، تشبه ما أقدم عليه شارون في غزة في أيلول (سبتمبر) 2005 أو استكمالاً لها، فيما يعرف بخطة "الانطواء". وفي أعقاب العدوان صرح باراك بأن ثمة تياراً سياسياً في إسرائيل يسعى لاستبدال السلطة الفلسطينية بحماس، مضيفاً "إنه يجدر بـإسرائيل التسليم بصعود الإسلام السياسي والإقرار بكونه عملة ذات وجهين مما يتيح التعامل معه"[4]. يمكن قراءة أسباب العدوان ودوافعه، من بين أشياء أخرى، في إطار الأهداف المضمرة في أقوال باراك؛ تعزيز الانقسام، إضعاف السلطة الفلسطينية، الاستمرار في عمليات الضم والتهويد، ومن ثم فك الارتباط.

-  انطوت عملية "عمود السحاب" على محاولة لتحييد مكانة غزة في معادلة الصراع ضد الاحتلال، بتكريس معادلة "وقف العدوان مقابل رفع الحصار وفتح معبر رفح" وتهميش أي هدف وطني آخر يرتبط بما يحدث في الضفة والقدس.

-  أسهمت العملية في تغيير معادلات القوة الفلسطينية الداخلية، لصالح حركة حماس بعد أن عززت الحرب شرعيتها ومكانتها على المستوى الإقليمي والدولي، وظهور أصوات تدعو للتفاوض معها والتوصل إلى اتفاقات. "هناك إنجاز آخر للحرب على غزة وهو أن "حماس" أصبح لديها العديد من خطوط الاتصال والتواصل أكثر من ذي قبل، وربما بشكل أكبر من منظمة التحرير الفلسطينية"[5].

-  تمكنت إسرائيل من انتزاع دليل عملي (امتلاك صواريخ "فجر" الإيرانية) تأمل في أن يمكنها من إقناع الغرب، بأن قيام دولة فلسطينية، سواء في الضفة أو في القطاع، أو في كليهما معاً، سيشكل خطراً قاتلاً.

-  كرست العملية التعاطي العربي الرسمي والشعبي مع "نموذج غزة" مقابل رفض نموذج السلطة الفلسطينية، بعد أن عومل الانقسام بوصفه انقساماً بين الممانعة والاعتدال، بين تحدي عنجهية إسرائيل وبين الرضوخ لإملاءاتها. هذا ما تبدى بوضوح في مفاوضات التهدئة في القاهرة، وزيارات التضامن الإنساني إلى غزة.

شكلت الهبة الجماهيرية في الضفة الغربية مفاجأة سياسية لجميع الأطراف. ليس من حيث توقع حدوثها، أو مداها الزمني والمكاني، وإنما من حيث أنها استطاعت أن تنتقل فوراً من طابعها التضامني/الإنساني، إلى توسيع مساحة الصدام والاشتباك مع الاحتلال، وتأكيد الطابع الوطني التحرري لمواجهة العدوان في غزة. خشيت إسرائيل من استمرارها وتصاعدها، فأوقفت عدوانها. كان من شأن استمرارها، ليس الضغط من أجل التسريع باستعادة الوحدة فحسب، بل وقطع الطريق على المخطط الإسرائيلي في مراحله الأخيرة.

الوضع الإسرائيلي:

رأت إسرائيل في تحولات الإقليم "نذير شؤم": مستوى عالياً من الضبابية السياسية، تغيرات سريعة لها صفة المفاجآت الإستراتيجية، صعوبة التكهن بتصرفات القادة الجدد، ازدياد العزل الإقليمي، بروز تهديدات جديدة[6]. ولعل أكثر ما أقلق إسرائيل، احتمالات عودة مصر إلى لعب دورها الإقليمي واستعادة عافيتها، في ظل قيادة جديدة بعد الثورة.

يعود مصدر القلق الإسرائيلي إلى الاعتبارات الجيو- سياسية، والعوامل التاريخية، وقوة مصر كدولة مركزية. لم تكتف إسرائيل بالشعور بالقلق والترقب الحذر. فقد بادرت إلى الفعل، استناداً إلى إستراتيجية الردع، محاولة استدراج مصر مبكراً إلى المنازلة. بدا أن إسرائيل، وقد قررت إدخال مشروعها ضمن الواقع الذي يتشكل في المحيط من البوابة المصرية، تستخدم ورقتي الضغط الأساسيتين: الوضع الأمني في سيناء وقطاع غزة. واستغلال حاجة مصر للشرعية والدعم المالي من قبل الغرب. من هذه الزاوية، حرب "عمود السحاب" محاولة أولى لاختبار النوايا والقدرات.

يرى بعض الاستراتيجيين الإسرائيليين أن "ضعف الدول العربية" جراء حالة التفكك والانهيار، وضغط الأجندات الداخلية، يقلل من خطر شن حروب تقليدية، حتى لو ألغيت اتفاقيات السلام مع مصر والأردن. ولذلك، فالدخول على خط الإقليم يستهدف في المقام الأول، استغلال حالة الضعف هذه لتمرير أجندتها والفوز بحصتها في الإقليم الذي يعاد بناؤه من جديد. يبالغ هؤلاء الخبراء في تصوير تهديدات عسكرية من نوع آخر، ناجمة عن الفوضى الأمنية وانتشار الميليشيات المسلحة وحصولها على أسلحة من مخازن الأنظمة البائدة، كما يبالغون في تهويل الخطر الإسلامي. والواضح، أنهم بذلك يحققون أكثر من هدف؛ استدراج تعاطف الغرب وضمان مواصلة دعمه، التمويه على النوايا الحقيقية لإسرائيل، تبرير دعوات تقوية القدرات الدفاعية والعودة إلى خيار الحرب.

 

تشكل الحرب أبرز ديناميات بناء الإجماع الإسرائيلي وحل الاحتقانات الداخلية، علاوة على أنها - كما يروج اليمين الإسرائيلي- أفضل وسيلة لإبقاء الجوار العربي في حالة عجز دائمة أو مقيدة بالقوة أو بالتهديد باستخدامها. يقول دان شيفنون، رئيس مركز أبحاث الأمن القومي في جامعة حيفا، "ليست حماس، ولا غزة، ولا القسام هي أهداف الحرب ومعيار نجاحها. في غزة نحن نحارب للبت بمصير التطرف في المنطقة وأسطورة المقاومة...إن خراب غزة يسهم في منع الحرب مع لبنان وسوريا، ويساعد مصر والأردن في مكافحة العناصر المتطرفة ويعطي إشارة لإيران حول حدود ضبط النفس الإسرائيلي" (يديعوت أحرونوت، 15 يناير 2009).

تندرج أهداف الحرب الثلاثة المعلنة (استعادة قوة الردع، وتدمير القدرة الصاروخية، وتحقيق هدنة طويلة المدى) ضمن سياسة "لكم الخصوم في الوجه كل بضعة سنوات". غير أنّ سياق الحرب، ومنطقها يفصح عن أهداف أخرى، غير معلنة، آنية وإستراتيجية. ثمة أهداف ذات طابع أيديولوجي، تتمثل في محاولة محو ذاكرة الفلسطيني، وأخرى ذات بعد تقني مجرد كتجريب أنواع جديدة من الأسلحة والتكتيكات والتقنيات، وثالثة ترتبط بإحباط أي قدرة فلسطينية على المقاومة والتحكم في منسوب السلاح لديها، كماً ونوعاً، وإضعاف مكانة القيادة الفلسطينية ونزع الشرعية عنها، وضمان الوصاية السياسية لمصر على قطاع غزة. بالطبع، لا يمكن إنكار وجود بعض الأهداف الأخرى ذات العلاقة بالوضع الإسرائيلي الداخلي، غير أنها تبقى ثانوية؛ من قبيل تركيز أنظار الجمهور الإسرائيلي على الأخطار الخارجية الآتية من خلف الحدود، وصرف الانتباه عن أولويات ومشاكل أخرى، وتصحيح علاقة نتنياهو مع الرئيس الأميركي، باراك أوباما، في فترة رئاسته الثانية بعد أن اهتزت كثيراً في السنوات الأخيرة.

قررت إسرائيل منذ البداية ألا يستغرق عدوانها وقتاً طويلاً. وكان إعلانها عن تجنيد 75 ألف جندي، "مجرد تهديد"، لجلب القوى الدولية ذات الصلة للتدخل والضغط على القيادة المصرية. لم تمتنع إسرائيل عن القيام باجتياح غزة، بسبب الكلفة العالية فحسب، وإنما، أساساً، لعدم رغبتها في اندلاع انتفاضة فلسطينية في الضفة الغربية، وعدم نيتها إحراج الرئيس المصري إلى الدرجة التي تضطره إلى اتخاذ قرارات وإجراءات تصعيدية. ولأنها حرب اختبار وجس نبض، فقد انطوت على عمليات جراحية فحسب. أبرزت إسرائيل تفوقها التكنولوجي والعسكري والحدود التي يمكن أن تذهب إليها إذا اقتضي الأمر، استناداً إلى ما يسمى بعقيدة الضاحية؛ حيث التركيز على الترويع، وتكبيد الخصوم ثمناً باهظاً بالأرواح والممتلكات، والتصرف كدولة فقدت صوابها، وفق منطق "ما لا يمر بقوة، يمر بقوة أكبر".

أعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعد دخول وقف إطلاق النار حيز الوجود، أن وقف إطلاق النار هو الأمر الصحيح لصالح اسرائيل، متوعداً أنه ربما سيتم تنفيذ إجراءات أشد ضراوة في مراحل مقبلة. أما اليوم فقد "قررنا منح فرصة للهدنة".

توالت ردود الفعل الإسرائيلية، السياسة والإعلامية، حول تقييم هذه الجولة من الحرب. هناك من ادعى أنّ القيادة السياسية والجيش الاسرائيلي، أدارا الحملة بشكل موزون، ونجحا في إحلال وقف للنار دون التورط في عملية برية ودون إثارة الانتقاد الدولي الشديد[7]. وثمة من رأى أن الأوضاع تدهورت أكثر بكثير من التوقعات، وأن النتائج لم تكن حسب الأهداف، ما يعني هزيمة سياسية لإسرائيل، وخصوصاً وصول صواريخ المقاومة إلى وسط إسرائيل والقدس. وهناك من رأى ضرورة وأهمية العمل العسكري ضد المقاومة وقادتها، محذراً، في الوقت ذاته، من عقمه ما بقي مقطوعاً عن سياق واسع لهدف سياسي. يقول إيتان هابر أن نتنياهو فضل الامتناع عن عملية برية وتحقيق وقف للنار، ربما تاريخي، بوسائل سياسية.

هذا، ويرى بعض الخبراء، أن إسرائيل تمكنت من الربط بين إيران وبين قدرة المقاومة على تهديد عمق إسرائيل بصواريخ "فجر"، وهو أمر بمقدورها أن توظفه في أكثر من اتجاه: أولاً، حشد التأييد الدولي وخلق مزيد من التبريرات لضرب إيران، ثانياً، التدليل على خطورة دولة فلسطينية مدججة بسلاح إيراني، على وجود إسرائيل، وثالثاً، توجيه رسالة إلى إيران، مفادها أن إستراتيجيتها في تمويل ودعم حركات المقاومة بالصواريخ لا قيمة لها من الناحية العسكرية ولا يمكن المراهنة عليها لحظة وقوع حرب حقيقية.   

إلى ذلك، أعاد العدوان النقاش حول السلام والعلاقة مع مصر وطبيعة الكيان الفلسطيني الذي يمكن أن تقبل به إسرائيل إلى الواجهة: بينما تتراجع وجهة النظر التي ترى أن السلام مع مصر وإقامة كيان فلسطيني "أقل من دولة" ضرورة لوجود إسرائيل، تبرز بقوة وجهة نظر اليمين الإسرائيلي التي ترى الأولوية للحفاظ على إسرائيل دولة يهودية، دون الاضطرار إلى التنازل عن أي جزء من الأرض. يؤمن نتنياهو أن نزعة التحرر الوطني الفلسطيني تشكل تهديداً داخلياً، بينما المد الإسلامي يشكل تهديداً خارجياً.

الموقف المصري:

تدرك حركة الإخوان المسلمين، وهي تتولى قيادة مصر ما بعد الثورة، حقيقة النوايا الإسرائيلية. ولما كانت الأعباء الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الداخلية التي تواجهها جسيمة، وفارق القوة بينها وبين إسرائيل هائلاً، وإمكانية التوصل في السنوات القادمة إلى تحالف إقليمي يجسر هذه الفجوة، شبه مستحيلة، فقد آثر الرئيس مرسي إعلان التزامه باتفاقيات كامب ديفيد، وممارسة سياسة الاسترضاء والطمأنة إزاء كل أطراف النزاع، إسرائيل، وحركة حماس، والسلطة الفلسطينية.

تباينت مطالب هذه الأطراف من مصر الجديدة وتواصل ضغطها أيضاً. إسرائيل تريد وصاية سياسية على غزة المفصولة والمنفصلة ووضعاً أمنياً هادئاً في سيناء. وترغب حماس في فتح البوابة المصرية للاندماج في الإقليم. والسلطة تريد استعادة وحدتها وولايتها على قطاع غزة. في الأثناء، تفاقم الوضع الأمني في سيناء، والوضع الإنساني في القطاع. حرب "عمود السحاب" اندلعت على خلفية هذا المشهد المعقد والمربك. وتلقى الرئيس المصري رسالة واضحة: هناك ما هو أسوأ، وسياسة "الاسترضاء والطمأنة والوساطة" لم تعد تكفي. 

بدا العدوان على غزة، أقرب إلى "بروفة" للمواجهة المحتملة بين إسرائيل وجماعة الإخوان المسلمين في مصر. هذا هو الأمر الأساسي الذي شغل أصحاب القرار في تل أبيب والقاهرة. أراد كل طرف أن يختبر نوايا الطرف الآخر وحدود فعله. كما أراد الطرفان، عن قصد، الوصول إلى نقطة اتفاق تجنب الجميع المواجهة الحقيقية. إسرائيل أرادت هدنة طويلة المدى بوصاية سياسية وأمنية مصرية، وحصلت على ذلك. مصر أرادت تجنب احتمالات الانزلاق المستمرة نحو حرب خاسرة بالنسبة لها، وفي ذات الوقت إبراز النتيجة بوصفها انتصاراً تحرزه المقاومة في غزة بمؤازرة مصرية. نجحت مصر، إلى حد ما، في ترويض حماس والاتيان بها إلى محور الاعتدال الجديد[8]، بعيداً عن إيران مقابل الحصول على الحصانة والشرعية والقبول. سجلت حكومة اليمين انزياحاً من السياسة إلى الأيديولوجيا في علاقتها مع الإقليم، بينما أحرزت مصر، بقيادة الإخوان، نقلة نوعية في الاتجاه المعاكس. تسعى الحركة إلى تثبيت سيطرتها الكاملة، وإلى إحراز بعض التقدم في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي يصعب تصور حدوثه دون دعم أميركي ودون استقرار سياسي داخلي ودون "تبريد الجبهة" مع إسرائيل.

اللافت، أن مصر، بقيادة مرسي، تستعيد زعامتها الإقليمية بنكهة إسلامية، بفضل موقفها من الحرب على غزة، مستغلة في ذلك الفراغ السياسي الناشئ في الإقليم وكذلك تراجع دور تركيا. دون أن يكلفها ذلك إحداث فرق واضح عما كانت عليه سياسة مبارك. استطاع مرسي أن يحبط المحاولة الأولى لاستدراجه مبكراً، من خلال الهجوم الذي أودى بحياة عدد من الجنود المصريين في سيناء، وكانت أصابع الاتهام تشير بوضوح إلى دور إسرائيلي خفي وراءها. وتمكن من تجاوز محنة العدوان على غزة، والابقاء على العلاقات مع إسرائيل.

ثمة من يرى أن قبول مصر بالانتقال من دور الوساطة والرعاية الأمنية إلى دور الوصاية السياسية، لا يعني الموافقة على مشروع "دولنة" قطاع غزة. بينما يتخوف آخرون، من أن مصر قد ترضخ في نهاية المطاف إذا ما وجدت نفسها بين خيارين: إما الموافقة على هذا المشروع، وإما وصول لعبة "التصعيد والتهدئة" إلى مرحلة الحرب الشاملة. عملية "عمود السحاب" محاولة استكشافية أولى على طريق طويل.

دلالات ومعانٍ:

(1) تطلق إسرائيل على حروبها أسماء تعكس نوع الحرب والهدف من ورائها، وتحيل على دلالات ومعان مقصودة، مستمدة من أساطيرها المؤسسة، أو من غرورها التقني أو من عوامل الطبيعة. فعناقيد الغضب إحالة على الانفعال الذي يخرج عن حدود ضبط النفس، وعلى ما يبرر طاقة التدمير الهائلة. الرصاص المصبوب إحالة إلى القدرة على إيقاع أبشع أنواع الأذى بالحرق وتسييل الرصاص مطراً منهمراً من سماء لا ترحم.

يعكس المعنى المباشر لـ"عمود السحاب"، وفي ترجمتها الإنجليزية "عمود الدفاع"، صورةً مروعة يُرى من خلالها دخان معركة محتدمة، دفاعاً عن النفس!. بينما يخفي صعود سحابة الدخان إلى عنان السماء حقيقة ما يجري على الأرض؛ فإنه يوجه رسالة إلى طرف بعيد، تثير لديه الهواجس والمخاوف. علاوة على فكرة الصعود، ينطوي المعنى كذلك على فكرة الانتشار والتوسع انطلاقاً من مكان محدد، فالنار، "مصدر تلك السحابة"، يمكن أن تمتد، ما لم يسارع أحدهم لإطفائها.

من جانبها، أطلقت حماس، تعبير "حجارة السجيل" في دلالالة دينية واضحة، مثلما هي "حرب الفرقان". ينطوي المعنى على التعويل على نصرة الخالق في مواجهة قوة عاتية، كأصحاب الفيل، وأن الرد يأتي من السماء أيضاً، حتى وإن كان مجرد حصى من طين محروق، ولكن لها قدرة كبيرة على إيقاع الأذى وإرباك صفوف الأعداء.

(2) لازال بعض الفلسطينيين يخلط، ربما عن عمد، بين العواطف والأمنيات من جهة، وبين الوقائع والإمكانيات من جهة أخرى. يُخشى، في ظل حالة العجز التي تعيشها الحالة الفلسطينية، أن وهم امتلاك القوة، إنما يوظف فقط لحسابات داخلية صرفة. إن توهم امتلاك القوة، في مواجهة قوة عاتية، يفضى بالضرورة إلى ما يعرف بالسلوك السياسي الماسوشي (المازورخي) حيث يقبل الطرف الضعيف عن طيب خاطر أحياناً على تجرع الألم والمعاناة، بصورة فائضة عن الحاجة، وذلك بغية تحقيق أهداف سياسية. تنمو وتتفاقم، في الأثناء، نزعة تدمير الذات. من المؤكد أن "انتصارات" المازورخي، بوجه عام، لا تجلب سوى نجاحات مؤقتة، الأمر الذي يتطلب تكرار ذات السلوك التدميري.

تدل كل الشواهد، على أن السلوك التدميري، الذي يستعذب الألم، لا يقود حقيقة إلى أي تغيير، ربما باستثناء تدمير الذات. من الأمثلة التي كشفت عنها عملية "عمود السحاب" لدى الجانب الفلسطيني:

-  الإعلان المتكرر من قبل قادة سياسيين في غزة، "أننا على استعداد كامل للحرب" دون أن يشمل هذا الاستعداد توفير مستلزماته الأخرى.

-  المبالغة في استقراء دلالات وصول الصواريخ إلى وسط إسرائيل، ما قد يشبع الغرور ويخدع النفس. لا يجب إغفال أن هذا "الاختراق المعنوي" دفعت غزة ثمنه باهظاً في الأرواح والممتلكات، وقد يتسبب الجرح النرجسي الناجم عنه لدى إسرائيل في حرب أخرى أشد ضراوة.

-  مواصلة التسلح في غياب دولة قوية حاضنة، تشكل غطاء وحماية، يخلق وهم "توازن الرعب"، والحقيقة أنه رعب في اتجاه واحد. إسرائيل تضخم هذا الوهم، وتتخذ منه ذريعة ليس للانتقام والتدمير فحسب، بل ولتمرير أجندات سياسية.

-  اتسم الخطاب الإعلامي والسياسي الفلسطيني بالمكابرة، التي تفيض عن الحاجة إلى الثبات والصمود ورفع الروح المعنوية. لا يسهم الخطاب في نزع الشرعية الأخلاقية والقانونية والسياسية عن العدوان والاحتلال، بقدر ما يوفر له مزيداً من الذرائع. كان ناحوم غولدمان، رئيس المؤتمر اليهودي العالمي، حذر من أن "الانتصارات الكبيرة خطر يصعب على الشعب تذليله أكثر مما يصعب تذليل الهزائم". فالانتصارات تقود في الغالب، إلى "التلذذ بالأوهام وإلى الكبرياء المفرطة" فما بالك إذا كانت هذه الانتصارات غير حقيقية؟

ماذا بعد؟

لم تتمخض الحرب عن كسر إرادة الفلسطينيين، كما أنها لم تجبر إسرائيل على تنازلات ذات مغزى. كما كشفت أن موازين القوى الإقليمية والدولية لم تتغير بعد، بما يمكن الفلسطينيين من تحقيق أهدافهم الآنية منها والاستراتيجية.

توقف العدوان بالتزام إسرائيل وحركة حماس بوقف "الاعتداءات المتبادلة" بوصاية مصرية وضمانة أمريكية. أما التفاصيل الأخرى، فجرى ترحيلها إلى مفاوضات تجري لاحقاً. تبدو هذه الجولة من الصراع وقد انتهت إلى حالة ترضي جميع الأطراف، إلى حين، بتوهم كل طرف أنه حقق أهدافه. والواقع، أنّ أياً من الأطراف لم يحقق، بعد، كل ما يصبو إليه. فهذه الحرب كانت خاطفة وحاسمة، ومن الصعب أن يكون لها نتائج ملموسة مباشرة، سوى أعداد الضحايا وحجم الدمار وبنود التفاهمات. أما ما عدا ذلك، فسيترك للتداعيات، ولتقديرات كل طرف، بعد انقشاع غبار المعركة: ماذا خسر وماذا ربح فعلاً؟

ستراقب إسرائيل، عن كثب، مدى التزام القيادة المصرية بما تعهدت به. وستواصل في الأثناء حربها الحقيقية في الضفة الغربية وهي مطمئنة إلى تحالفها الإستراتيجي مع أميركا، وإلى وصول رسالتها واضحة وقوية إلى الجوار العربي. حجزت إسرائيل مقعداً على طاولة المفاوضات حول مستقبل الإقليم. وفي حال شعرت بتهديد أو لمست نكوصاً عن الالتزامات والتعهدات، فبمقدورها، طبقاً لرئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، أن توجد أدوات وبنى جديدة لإعادة صياغة قواعد اللعبة في الصدام، عبر تكرار جولات العدوان.

من المشكوك فيه أن تواصل حركة حماس، بعد اغتيال الجعبري، والتزام مصر بمنع تهريب الأسلحة، بناء ترسانة عسكرية تشكل تهديداً جدياً لإسرائيل. وإنما ستتجه، طبقاً لبعض التحليلات، إلى إنجاز ملف المصالحة. في هذه الحالة، تعول حماس على ارتفاع أسهمها الجماهيرية، فُتقبل على خوض الانتخابات لتحرز تقدماً يمكّنها من تدشين بداية طور جديد للنظام السياسي الفلسطيني، تحتل فيه موقع القيادة. وهناك من يرى أن حماس ليست في عجلة من أمرها فيما يتعلق بالسيطرة الكاملة على النظام وتحمل مسؤوليات إدارة المعركة ضد الاحتلال في الضفة. وهي تولي اهتماماً أكبر باتجاه الاندماج في الإقليم عبر البوابة المصرية واستمرار سيطرتها في ذات الوقت على القطاع.    

 

الهوامش

[1]  إحسان مرتضى، مشروع الانسحاب من غزة من المنظور الإستراتيجي الإسرائيلي، مجلة الدفاع الوطني، على الرابط: http://www.lebarmy.gov.lb/article.asp?ln=ar&id=7732

[2]  الدولة الفلسطينية: وجهات نظر إسرائيلية وغربية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، ص129-145، 1990.

[3]  أورن يفتاحئيل، زمن غزة الضائع، المركز الفلسطيني للبحوث والدراسات الاستراتيجية، 29 كانون الثاني (يناير) 2011، على الرابط: http://pcrss.org/v427.html

[4]أمد للإعلام، 9 أيلول (ديسمبر) 2012، على الرابط       http://www.amad.ps/arabic/?Action=Details&ID=105573

[5]  محمود الرمحي، مقابلة صحفية مع صحيفة هآرتس، شبكة العهد للإعلام، 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012، على الرابط: http://www.alaahd.com/arabic/?action=detail&id=116861

[6]   أفرايم عنبر، الثورات في العالم العربي والأمن القومي الإسرائيلي، ترجمة مركز أطلس للدراسات الاستراتيجية، غزة.

[7]  عمير ربابورت، غُرست البذرة للجولة القادمة، فلسطين اليوم، 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012، على الرابط: http://paltoday.ps

[8]  حازم صاغية، تعهد المسألة الفلسطينية، جريدة الحياة، 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012، على الرابط:         http://beta.daralhayat.com/OpinionsDetails/455611

 

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website