أبوعلاء قريع - القدس بين واقع مرير ومفاوضات عقيمة - عدد251

القدس بين واقع مرير ومفاوضات عقيمة

 

 

ضيف هذا العدد، أحمد قريع (أبو علاء)، عضو اللجنة المركزية لـ"فتح" سابقاً، ومسؤول ملف القدس في م.ت.ف. وأمين سر المجلس الاستشاري لـ"فتح".

بدأ أبو علاء حديثه حول بدايات تهويد القدس، والتي ظلّت أسيرة الاحتلال، ومحل سلسلة لا نهاية لها من إجراءات الضم والمصادرات والتهويد، وموضع قرارات تعسفية فظة شملت الإنسان والمقدسات ومختلف مناحي الحياة، الأمر الذي جعلها في بؤرة عين عاصفة هوجاء لا تتوقف، إن لم نقل أن وتائر هذه العاصفة تشتد مع مرور الوقت الذي ظل يلعب لصالح قوة عسكرية مدججة بالأطماع والأوهام والأحقاد.

إذ ما أن وطئت أقدام المحتلين ثرى بيت المقدس عام 1967، حتى كانت حكومة إسرائيل تعلن من جانب واحد ضم الجزء الشرقي من المدينة، وإعلانها عاصمة أبدية موحدة للدولة العبرية، لتُتبع ذلك الإعلان الذي لا سند قانونياً له، بجملة طويلة من القرارات والممارسات الهادفة الى توطيد ذلك القرار الجائر، كان أولها قد تمثل في هدم حيّ باب المغاربة وتشريد سكانه، من أجل إقامة ساحة لإقامة الصلوات اليهودية أمام حائط البراق الذي أسمته حائط المبكى.

إذ بعد أقل من ثلاثة أسابيع على احتلال القدس وغيرها من الأراضي الفلسطينية والعربية في الخامس من حزيران (يونيو) عام 1967، باشرت إسرائيل في اتخاذ القرارات الإدارية الرامية في المدى البعيد إلى تهويد وأسرلة المدينة، فعملت على تعديل القوانين التي كانت سائدة قبل الحرب، وتطبيق القوانين الإسرائيلية على المدينة المحتلة، بما في ذلك حل بلدية المدينة المقدسة، وتعديل قانون السلطة والقضاء، وإخضاع سكانها لكافة النظم والقوانين الإسرائيلية النافذة، كما أصدرت ما أسمته "القانون الأساسي للقدس المحتلة" لتصبح القدس عاصمة لإسرائيل، ومقراً للرئاسة والحكومة والبرلمان والمحكمة العليا.

لم تتوقف القوة القائمة بالاحتلال عند تلك الحدود والقرارات التي لم تعترف بها أي دولة في العالم، بل تعدتها إلى تبديل سائر مكونات الحياة اليومية للمقدسيين، من صحة وتعليم واقتصاد وقضاء وغير ذلك الكثير، ثم ألحقتها بعمليات استيلاء على الممتلكات، وإقامة الأحياء الاستيطانية، وبعد ذلك البحث والتنقيب عن الهيكل المزعوم، بما في ذلك الحفر تحت أساسات المسجد الأقصى، معرّضة أولى قبلة للمسلمين إلى خطر الانهيار والهدم حين تلوح اللحظة السياسية المواتية.

بلغت تلك الإجراءات الاحتلالية ذروتها ضد القدس، حين أقدم أحد المستوطنين اليهود على محاولة إحراق المسجد الأقصى يوم 21/8/1969، وهي محاولة أتت في إطار هجوم أوسع، وفي سياق سلسلة من الخطوات الرامية لتغيير الهوية الحضارية العربية الإسلامية للمدينة المقدسة، وذلك على نحو ما سوف تبرهن عليه كل تلك السياسات والخطط والبرامج الإسرائيلية المتعاقبة على مدى سنوات طويلة لاحقة، الهادفة إلى خلق واقع جديد على الأرض، يحول دون أي حل محتمل لإعادة القدس إلى وضعها السابق قبل الاحتلال المشؤوم.

وماذا عن مصادرة الأراضي؟!!

بالتوازي مع الخطط الإسرائيلية المتسارعة داخل أسوار البلدة القديمة، كان المحتلون الصهاينة يباشرون مصادرة مساحات متزايدة من الأراضي المحيطة بمدينة القدس وأحيائها المجاورة، وهدم البيوت والاستيلاء على المساحات بكل ذريعة متهافتة، ليدشنوا بذلك أولى الهجمات الاستيطانية المنهجية الواسعة، التي شملت القدس والضفة الغربية، وكل أرض ذات ملكية عامة، وهو ما تجلت عنه فيما بعد، وبصورة أوضح من ذي قبل، مشاهد المستوطنات والبؤر الاستيطانية والطرق الإلتفافية وجدار الفصل العنصري، وغير ذلك الكثير من مظاهر النهب والاستعمار.

وجنباً إلى جنب مع مخطط الاستيلاء والمصادرة للأراضي، نفذت سلطات الاحتلال حزمة هائلة من الإجراءات التعسفية الرامية إلى قهر المواطن الفلسطيني وإضعاف مقومات صموده، من فرض ضرائب باهظة، وتضييق سبل العيش عليه في رزقه، والحد من حرية تنقلاته، ودفعه إلى مغادرة منزله، وما إلى ذلك من إجراءات هادفة، في المدى البعيد، إلى الإخلال بالتوازن الديمغرافي في المدينة، وتهميش الحضور الفلسطيني لصالح الوجود الاحتلالي داخل المدينة وفي محيطها الجغرافي الأوسع.

ولا يتسع المقام لاستعراض مراحل ذلك المخطط الاستيطاني التهويدي المتوحش الذي تعرضت له القدس طوال العقود الأربعة الماضية، من بناء أولى المستوطنات في محيط القدس مثل رامات أشكول وجفعات هفتار والتلة الفرنسية، إلى مستوطنة معاليه أدوميم عام 1975 التي ظلت تتوسع طوال الوقت على الطريق الواصلة بين القدس وأريحا، إلى أن أصبحت اليوم إحدى أكبر المستوطنات المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ناهيك عن المخطط الرامي إلى إقامة حي استيطاني في منطقة (E1) والمقدر له أن يعزل القدس نهائياً ويغلقها أمام شعبها وأمام العرب من المسلمين والمسيحيين، والمقدر له كذلك أن يقطع الضفة الغربية إلى جزأين، ويعزل شمالها عن جنوبها في حالة بنائه.

ما هي صورة الوضع الاستيطاني في القدس؟!!

إذا أردنا اليوم رسم الخارطة الاستيطانية القائمة حول القدس، فإننا سنجد أنّ المدينة العربية المحتلة محاطة بقوس شمالي من المستوطنات الكبيرة، أهمها جفعات زئيف، وبقوس شرقي من أهم مستوطناته معاليه أدوميم، أما القوس الجنوبي فهو يضم مستوطنات أخرى مثل غوش عتصيون وكفار عصيون وأفرات وهار حوما المقامة على جبل أبو غنيم، ناهيك عن الطوق الداخلي المتمثل في مستوطنات عطروت ونفيه يعقوب والجامعة العبرية ورامات أشكول وجيلو والتلة الفرنسية، وتلبوت راموت وبسجاف زئيف وماميلا وغيرها الكثير.

وفي الوقت ذاته تتواصل المخططات الاستيطانية في طوق أوسع من المستوطنات المحيطة بالقدس، حيث يجري العمل لإقامة ما يعرف باسم البوابة الشرقية، مثل كدمات تسيون في منطقة أبو ديس، إلى جانب جفعات يائيل وحي استيطاني جديد في محيط أفرات، وآخر في مطار قلندية، ومشروع الحي المقدس في حي البستان داخل سلوان، بالإضافة إلى مجمع استيطاني في منطقة قبر راحيل قرب بيت لحم، ومستوطنتين جديدتين قرب جبل أبو غنيم، وذلك كله في إطار مخطط استيطاني استدراجي كبير يهدف إلى السيطرة الكاملة على مدينة القدس وجوارها الجغرافي الواسع.

وهكذا يتضح بصورة جلية أننا أمام مخطط استيطاني يرمي إلى قتل مشروع حل الدولتين وفرض الهيمنة الكاملة على القدس ومحيطها، وتفعيل الشعار الإسرائيلي القائل إن القدس عاصمة أبدية موحدة للدولة العبرية، وذلك بعد أن تتم عملية تهويد المدينة وإفراغها من سكانها العرب، وتغيير هويتها العربية وطابعها الإسلامي الحضاري، وليس أدل على ذلك من سحب هويات نحو 50 ألف مقدسي، وإقامة جدار الفصل العنصري، ومشروع (E1) وغير ذلك من المشروعات المصممة لرفع نسبة السكان اليهود في المدينة إلى نحو 88%، وهي شواهد دالة دلالة قطعية على عزم إسرائيل إخراج القدس من دائرة التفاوض في أي عملية سلام مستقبلية.

بكلام آخر، فإن القدس تبدو اليوم محاطة بأطواق استيطانية وجدار فصل عنصري وطرقات التفافية، وحواجز وبوابات تشبه معابر الحدود القائمة بين الدول، فيما يبدو سكانها العرب موضع سياسة إفقار منهجية، ومقدساتها الإسلامية والمسيحية محل خطط تقويض وتفريغ من الداخل، ولعل منع المؤمنين من الصلاة في أماكن عباداتهم، وفرض إجراءات موسمية تحول دون وصولهم إلى المسجد الأقصى المبارك في رمضان، وإلى كنيسة المهد في بيت لحم أيام أعياد الميلاد، خير دليل على ما وطدت إسرائيل نفسها على إملائه ضد إرادة الشعب الفلسطيني وضد قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية.

وهكذا فإن المخططات الاستيطانية التهويدية الإسرائيلية تسير في أطواق متلاحقة متكاملة بكل المتطلبات، من بنى تحتية كاملة على حساب التجمعات الفلسطينية، وطرق التفافية لخدمة المستوطنات اليهودية دون التجمعات الفلسطينية بل وعلى حسابها، وهذه الأطواق تتمثل في:

1-              البلدة القديمة: حيث عمليات التهويد التي ابتدأت بعد الاحتلال مباشرة عام 1967، وتمثلت في هدم حارة المغاربة، وإقامة ما يعرف بحائط المبكى مكان ساحة البراق، وبناء الحي اليهودي في حارة الشرف الذي يقيم فيه الآن 2500 مستوطن يهودي إضافة إلى أكثر من 1500 يهودي في بيوت تم الإستيلاء عليها داخل البلدة القديمة، هذا علاوة على الحفريات التي تقوم بها سلطات الاحتلال أسفل المسجد الأقصى وغالبية البلدة القديمة.

2-              ما يسمى الحوض المقدس: والذي يشمل البلدة القديمة، ومدينة سلوان، ووادي الجوز والشيخ جراح والطور، وتكثيف عملية التواجد فيها على حساب الفلسطينيين ومنازلهم.

3-              توسيع حدود البلدية (البرنامج الإسرائيلي): حيث اقدمت إسرائيل بعد الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 على توسيع حدود بلدية القدس عما كانت عليه قبل الاحتلال على أساس نظرية "أكثر ما يمكن من الأرض بأقل ما يمكن من السكان"، وقد أقامت منذ ذلك الوقت في هذه المناطق (15) مستوطنة كبرى هي عبارة عن مدن كبيرة تفصل التجمعات الفلسطينية عن بعضها البعض.

4-              الكتل الاستيطانية الكبرى: التي تريد إسرائيل ضمها للقدس، والتي تشمل مستوطنة أريئيل ومجمع مستوطنات جفعات زئيف في الشمال، ومجمع مستوطنات معاليه أدوميم شرق القدس في الوسط، ومجمع مستوطنات غوش عتصيون في الجنوب.

5-              مشاريع استيطانية جديدة قيد التنفيذ، مثل E1 شرق القدس، ومستوطنة جفعات همتوس في بيت لحم وغيرها من المستوطنات والبؤر الاستيطانية في باقي المحافظات الفلسطينية، بحيث تصبح القدس كما يخططون لها، تمتد من شمال الخليل في الجنوب إلى الخان الأحمر في الشرق وجفعات زئيف وأرئيل في الشمال.

هذه هي الأطواق الخمسة التي تعمل إسرائيل على إقامتها حول القدس لتدمير مشروع حل الدولتين نهائياً، ولتتاح لها كما تخطط إنهاء موضوع القدس وضمها نهائياً. ولكن عبثاً ما يحاولون، فلن يكون هناك سلام ولا استقرار دون تحقيق الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، بما فيه حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس التي لا بديل عنها لتحقيق السلام، وبدونها لن يتحقق السلام.

من خلال خبرتكم في المفاوضات، ما هي مكانة القدس فيها؟!

في واقع الأمر لم تجر أي مفاوضات حول القدس منذ احتلالها عام 1967 ولمدة عشرين سنة لاحقة، فقد ظلت إسرائيل تعتبر المدينة خارج كل تسوية أو مفاوضات محتملة، باعتبار أن وحدتها محل إجماع يهودي، وأنها عاصمة أبدية لها ترفض المساس بها، بل وتلزم نفسها بسلسلة من القرارات التي تمنع أي حكومة إسرائيلية في المستقبل من إجراء أي مفاوضات حول مستقبل هذه المدينة التي كان يتم حسم وضعها النهائي من جانب واحد، عبر تدابير إدارية وقرارات استيطانية وتهويدية متلاحقة.

لقد جرى أول اختبار عملي للموقف الإسرائيلي المعلن، حول حاضر القدس ومستقبلها، خلال المفاوضات المصرية الإسرائيلية في كامب ديفد عام 1978، حيث تضمنت الاتفاقية الموقعة بين كارتر وبيغن والسادات، شرطاً مسبقاً بضرورة التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية بإقامة حكم ذاتي إداري للسكان في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، من أجل التوقيع فيما بعد على معاهدة سلام مصرية إسرائيلية، وذلك دون التطرق إلى موضوع القدس، أو ذكر أي شيء يتعلق بمستقبلها.

وبعد سنوات طويلة من ذلك الاختبار الذي نجحت فيه إسرائيل بشكل واضح، جرى اختبار آخر للموقف الإسرائيلي المعلن على رؤوس الإشهاد، وذلك حين تمت الدعوة لعقد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 بعد حرب الخليج الأولى، حيث أثيرت في حينه مسألة تشكيل الوفد الفلسطيني ضمن وفد مشترك مع الأردن لحضور ذلك الاجتماع الذي حضرته كل الأطراف العربية باستثناء منظمة التحرير الفلسطينية، وذلك نزولاً عند رغبة إسرائيل بعدم حضور الفلسطينيين كطرف مستقل، بل وعدم السماح لأي مواطن مقدسي بالمشاركة في الوفد المشترك مع الأردن.

على هذه الخلفية المليئة بالإخفاقات الدبلوماسية العربية، والنجاحات الإسرائيلية بالمقابل، فإنه يمكن اعتبار اتفاق أوسلو الموقع عام 1993 على أنه أول نجاح من نوعه على هذا الصعيد، حيث شكل هذا الاتفاق أول اختراق من نوعه في جدار الموقف الإسرائيلي المتصلب حول القدس، وذلك حين تم ادراج مستقبل المدينة المقدسة على جدول أعمال المفاوضات المرتقبة، كواحد من الموضوعات الأساسية المتعلقة بقضايا الحل النهائي، ذلك الحل الذي كان من المقرر الشروع بالتفاوض حوله بعد انتهاء فترة السنوات الخمس المحددة مسبقاً لنهاية فترة الحكم الذاتي الانتقالي عام 1993.

لقد كانت اتفاقية أوسلو انعطافة كبرى في مسيرة القضية الفلسطينية، حيث أرست المداميك الأولى لبناء أول كيان سياسي فلسطيني في العصر الحديث، وخلقت وقائع سياسية وديمغرافية واجتماعية وقانونية لا تقبل الإمحاء، وبنت سلسلة من الإدارات والمؤسسات والأجهزة الحقوقية والأمنية التي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا، وفتحت الأبواب أمام حل تفاوضي بعد أن تم اغلاق كل الدروب البديلة، ووضعت القدس لأول مرة في دائرة المفاوضات المباشرة.

ومع أننا لم نتمكن في حينه من تحقيق ما هو أكثر من وضع القدس على جدول أعمال مفاوضات الحل الدائم دون أي لبس، إلا أننا تمكنا في واقع الأمر من إحداث مثل هذا الإختراق في جدار الموقف الإسرائيلي القائم حول القدس، الأمر الذي كان مكسباً سياسياً أولياً لا سابق له، اشتمل على بناء رافعة لموقف فلسطيني يواصل تمسكه بالقدس وفق اتفاق تفاوضي موقع عليه بين الجانبين، وانطوى في الوقت ذاته على إحداث أول كسر في ما ظل يوصف على أنه إجماع قومي إسرائيلي يهودي على استبعاد القدس من دائرة الحل السياسي في أي جولة مفاوضات محتملة.

والحق أن ميزان القوى المائل ضدنا بقسوة شديدة كما أن قوانين العملية التي انخرطنا فيها في مدريد مع باقي الأطراف العربية المعنية، هذه القوانين التي اشترطت تمثيل الفلسطينيين ضمن وفد أردني فلسطيني مشترك وعدم مشاركة أي ممثل عن القدس ضمن هذا الوفد، ناهيك عن الأوضاع الفلسطينية المحاصرة بقسوة أشد من ذي قبل بعد حرب الخليج الأولى، لم تمكنّا خلال مفاوضات أوسلو من تحقيق ما كنا نصبو إلى تحقيقه، سواء تعلق الأمر بالقدس أو الاستيطان أو اللاجئين أو غير ذلك، الأمر الذي دفعنا وفق الظروف الموصوفة سابقاً إلى التمسك بمحاولاتنا المستميتة الهادفة إلى عدم اغلاق النقاش حول القضايا الخلافية الكبرى، وتركها مفتوحة إلى زمن لاحق، نتمكن فيه من إنجاز مزيد من المكتسبات السياسية، ومراكمة المزيد من حقائق الأمر الواقع على الأرض، وذلك على طريق إعادة التفاوض مستقبلاً من مركز أفضل مما كنا عليه من قبل.

هل تمكنت م.ت.ف. من تحقيق أي إنجاز في موضوع القدس؟!!

لعل أول منجز تمكنا من تحقيقه بلأي شديد في موضوع القدس، كان قد تحقق عام 1996، حين استطعنا حمل إسرائيل على القبول بمشاركة مواطني القدس في أول انتخابات تشريعية ورئاسية من نوعها تجري تحت رعاية السلطة الوطنية الفلسطينية، الأمر الذي شكل سابقة غير مسبوقة، ووضع حجراً يمكن البناء عليه، وفتح ثغرة في جدار الموقف الإسرائيلي المبدئي الرافض لأي مساس بوضع القدس مهما كانت الظروف.

والحق أن منظمة التحرير الفلسطينية قد تمكنت بعد اتفاق أوسلو، من فتح نقاش أكثر جدية حول مدينة القدس، وعرضت مواقف أكثر تماسكاً مما كانت عليه في المحطة التفاوضية المبكرة عام 1993.

وقد تحقق ذلك في مناسبتين تفاوضيتين لاحقتين:

الأولى كانت في كامب ديفد عام 2000، حيث عرضنا رؤيتنا حول مستقبل القدس على أساس أن تبقى القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية وأن تكون القدس الشرقية والغربية مدينة مفتوحة وعاصمة لدولتين، وأن يتم ضمان حرية الوصول إلى أماكن العبادة لجميع اتباع الديانات الثلاث.

الثانية كانت في أنابوليس بعد نحو سبع سنوات من مؤتمر كامب ديفيد، جرت خلالها وقائع كثيرة لم تكن مواتية للوضع الفلسطيني الذي شهد حدثين كبيرين، هما إعادة احتلال الضفة الغربية سنة 2002، ووقوع انقلاب على الشرعية الفلسطينية في غزة عام 2007، الأمر الذي جعل من مؤتمر أنابوليس محطة تفاوضية دولية لإعادة ترميم الوضع المتدهور، ذلك الوضع الذي جعلنا نقبل المشاركة في مؤتمر حضرته نحو خمسين دولة، من وضعية أضعف من تلك التي دخلنا بها مفاوضات كامب ديفد، وذلك بهدف إسقاط الإدعاء الإسرائيلي القائل بعدم وجود شريك فلسطيني، واختبار جدية الموقف الامريكي القائل بحل الدولتين.

ومع أن مؤتمر أنابوليس أفضى إلى نتيجة مماثلة لسابقه مؤتمر كامب ديفد، إلا أنه يمكن القول فيما يخص موضوع القدس، أنه تم انتزاع اعتراف أمريكي إسرائيلي واضح بأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، الجاري التفاوض بشأنها، تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس وغور الأردن والبحر الميت، حيث تم تدوين ذلك في محضر اجتماع ثلاثي مشترك، بحضور كونداليزا رايس وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب كل من الأخ أبو مازن وايهود أولمرت، علماً أن قضية القدس لم تدرج في سياق المفاوضات الثنائية اللاحقة بعد انتهاء مؤتمر أنابوليس، في أي من اللجان الفرعية المشكّلة في حينه، فيما تم تناول القدس في إطار المفاوضات الثنائية المشتركة بيني وبين تسيبي ليفني رئيسة الوفد الإسرائيلي المفاوض، تحت ذريعة أن لا يتسرب النبأ ويتزعزع الائتلاف الإسرائيلي الحاكم، وفق ما طالبت به ليفني، وبالتالي فإن قضية القدس لم تبحث بشكل جدي في هذه المفاوضات.

 في الختام، أود أن أشير إلى عدد من الاستنتاجات الأولية، التي يمكن التقاطها عبر هذه المخاضة الطويلة من المفاوضات حول القدس على وجه التحديد، وهي:

1.    القدس تختزل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بأسوارها وتداخلاتها السكانية والاقتصادية والسياسية والدينية ورمزيتها، وهكذا فإن القدس سوف تظل تشكل التحدي الأبرز في ظل مفاوضات لاحقة.

2.    اعتمد النقاش حول وضع القدس بصورة دائمة في التركيز على موضوع السيادة، وبسبب اعتبار كل طرف السيادة على القدس حقاً سياسياً وتاريخياً فإن الحلول الوسط التي تعتمد على حكم المدينة المشترك لم تلق القبول من أي جانب.

3.    لا يمكن تقسيم القدس القديمة بين الطرفين، فهي أرض فلسطينية محتلة وهي صغيرة جداً وذات كثافة سكانية عالية وتداخلات عمرانية، ومثل هذه الوصفة هي وصفة لاستمرار التوتر والنزاع.

وعليه، فإن أي حديث عن دولة فلسطينية مستقلة بدون القدس يظل كلاماً فارغاً وهو مجرد مضيعة للوقت. فالدولة هي القدس، ولا معنى لدولة فلسطينية بدون القدس. فهذه المدينة المقدسة هي ليست فقط موضع القلب من أي دولة فلسطينية مستقبلية، أو مجرد عاصمة سياسية فحسب، بل إنها فوق ذلك المركز الروحي والثقافي والاقتصادي، هي التاريخ العابق، وهي المستقبل الواعد، ولا حل ولا سلام ولا استقرار في المنطقة دون أن تعود القدس إلى أصحابها الشرعيين مهما طال الزمن أو قصر.

تبقى ضرورة الإشارة في هذا السياق التفاوضي الطويل إلى أن معاهدة السلام الأردنيةـ الإسرائيلية المعروفة باسم معاهدة وادي عربة والموقعة في 26/10/1994، ربطت بين بعض بنودها والجهود المبذولة في عملية السلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية التي كانت جارية آنذاك.

فقد عالجت هذه المعاهدة عدة قضايا ثنائية بين الطرفين مثل الحدود والأمن والمياه والنقل والمواصلات والملاحة والسياحة والبيئة وغير ذلك من قضايا شملت واحداً وثلاثين موضوعاً مشتركاً، من بينها البند المتعلق بالأماكن ذات الأهمية الدينية والتاريخية.

فقد نص هذا البند الخاص تحديداً بالمقدسات الدينية في مدينة القدس على ثلاث مسائل هي:

1ـ سيمنح كل طرف للطرف الآخر حرية الوصول للأماكن ذات الأهمية الدينية والتاريخية.

2ـ وبهذا الخصوص وبما يتماشى مع إعلان واشنطن (الموقع بين الجانبين من قبل) تحترم إسرائيل الدور الحالي الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن المقدسة في القدس. وعند انعقاد مفاوضات الوضع النهائي ستعطي إسرائيل أولوية كبرى للدور الأردني في هذه الأماكن.

3ـ سيقوم الطرفان بالعمل سوياً لتعزيز حوار الأديان بين الديانات التوحيدية الثلاث بهدف العمل باتجاه تفاهم ديني، والتزام أخلاقي وحرية العبادة والتسامح والسلام.    

ومما يجدر ذكره أيضاً أن وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني التي أصدرتها منظمة التحرير الفلسطينيّة عام 1988، أعلنت القدس عاصمة للدولة الفلسطينيّة المستقلة، وذلك نظراً للأهميّة التاريخيّة والجغرافيّة والحضاريّة للقدس الشريف، ونظراً لقيمتها الدينيّة الروحيّة الاستثنائيّة، كونها مسرى الرسول (محمد صلى الله عليه وسلم) ونقطة معراجه إلى السماء، بالإضافة إلى قيمتها الروحيّة الاستثنائية لدى المسيحيين العرب، وإضافة إلى قيمتها الاقتصادية.

غير أن العاصمة المأمولة للشعب الفلسطيني لا تنهض من فراغ، ولا على تعرجات وجيوب وطرقات مقسمة لهذا الطرف أو ذاك، ولكن على حقوق يجب إعادتها، واحتلال يجب إنهاؤه وسيادة يجب تحقيقها، وصيغ لضمان حرية الأديان والمرور والعبادة وذلك كله يعتمد على التاريخ السياسي المحتشد للمدينة، وعلى تاريخها الثقافي والروحي، وأهميتها الاقتصاديّة النابعة من موقعها الاستراتيجي ودورها المتواصل كعاصمة سياسية وعاصمة للاقتصاد الوطني الفلسطيني. 

وضمن محاولاتها محاربة الهويّة الوطنيّة للقدس، شهدت المدينة، وشهد العالم، عبر القنوات الفضائيّة، الممارسات الإسرائيليّة الشرسة للحيلولة دون تنظيم الفعاليات الفنيّة والأدبيّة والثقافيّة التي تؤكد الشخصيّة الوطنيّة الفلسطينيّة، الإسلاميّةـ المسيحيّة للمدينة، وهي الفعاليات التي تندرج في إطار مشروع "القدس عاصمة الثقافة العربيّة 2009". وقد تمّ مداهمة القاعات والمسارح التي تعرض هذه الفعاليات، كما تمّ اعتقال العديد من المسؤولين عن إقامتها في المدينة المقدّسة.

أما إذا تعرضنا لجانب الحلول المتعلقة بمستقبل مدينة القدس، فإنه ينبغي القول إن أيّة حلول مقترحة لمشكلة من المشاكل، لا بدّ وأن تقوم على الشرعية الدولية والاعتراف بالحقوق المشروعة، لا على موازين القوى الراهنة ومعادلاتها المتغيرة، لأن هذا الاعتراف والتأكيد عليه هو الذي يفضي إلى التوافق بين الطرفين المتنازعين ورغبتهما الحقيقيّة في الوصول إلى نهاية للصراع وإغلاق ملف المشكلة المطروحة.

ولا تخرج الحلول المقترحة لمشكلة القدس من الجانب الفلسطيني عن هذا المبدأ الذي كان وما يزال غائباً، حيث أنه يصطدم بتصلُّب إسرائيلي يستند إلى وهم ميزان القوى والإمكانيات والقدرة على فرض وتكريس الأمر الواقع بالقوّة العسكريّة أولاً، والسياسيّة النابعة من الدعم المُطلق للقوّة العُظمى، ونعني الولايات المتحدة الأميركيّة، للمشروع الصهيوني الكولونيالي التوسعي على أرض فلسطين وعاصمتها الأبديّة، القدس الشريف ثانياً.

ومع أن استقراء الواقع الذاتي الفلسطيني، ومعه الوضع العربي المتراجع، ناهيك عن موازين القوى المختلفة لغير صالحنا، ليس مواتياً تماماً، غير أن مثل هذا الاستقراء، لا ينفي وجود الإمكانيات الكامنة في روح الأمّة للنهوض من غفوتها، ووضع القدس بكل ما تمثله للمسلمين والعرب والمسيحيين من قيم ومن مكانة وما يجب أن تحظى به من أولوية ومن دعم سياسي واقتصادي ومالي سخي تستحقه المدينة المقدسة من خلال صندوق موحد تتجمع فيه الأموال والتبرعات والمنح وتنفق منه على كل متطلبات حماية القدس وشروط تعزيز صمود أهلها.  

كما أن وحدة الكلمة على المستوى الرسمي العربي تقتضي وضع استراتيجيّة سياسية مُلزمة للتحرُّك العربي والإسلامي من أجل القدس، وهي تقتضي أوّل ما تقتضي، ربط العلاقات العربيّة مع العالم وأية علاقات مع إسرائيل أولاً بإقرار الحقوق الوطنيّة المشروعة للشعب الفلسطيني، وحقّه المشروع في إقامة دولته الوطنيّة المستقلّة وكاملة السيادة على أرض وطنه، وعاصمتها القدس الشريف، مع استمرار التأكيد على مكانة القدس.

إن أيّة أفكار يمكن طرحها هنا لحلّ مشكلة القدس، لا تعدو أن تكون واحدة أو أكثر من الأفكار المطروحة كمشاريع حلول، ومنها ما جاء في قرار التقسيم عام 1947، أي أن تُشكِّل القدس الشرقيّة، بما فيها البلدة القديمة، عاصمة للدولة الفلسطينيّة المستقلّة، على أن تحتفظ الأديان السماويّة جميعها بأماكنها المقدّسة في المدينة وبحريّة العبادة فيها، دون الاعتراف بأية تغييرات في المدينة أقامتها إسرائيل بالقوّة وفرض الأمر الواقع، وبالحفريات، أو بالاستيلاء على العقارات والأراضي العربيّة في القدس. بمعنى أن لا يتضمّن أيّ حلّ من الحلول مكافأة المعتدي على اعتدائه.

إن ما يمتلكه الشعب الفلسطيني من استعدادات نضاليّة، سيجعل من تواصل الكفاح من أجل القدس وفرض الانسحاب الإسرائيلي منها ومن كلّ مدن وقرى فلسطين وأرضها المحتلّة، حلاً ممكناً، يحتاج إلى دعمٍ عربيّ وإسلاميّ جاد، وضمن خطّة استراتيجيّة شاملة تخاض على كافة المستويات، السياسيّة، والدبلوماسيّة، والقانونيّة، والثقافيّة، والاقتصاديّة.. وغيرها.

بكلام آخر، فإن القدس التي أفردنا لها أبلغ الكلام، وأهرقنا في سبيلها حبراً غزيراً، واحتفظنا بها في خزائن الذاكرة طويلاً، تدخل الآن في مرحلة الخطر الجاد، تستباح جهاراً نهاراً على قارعة رصيف يمر عليه أشقاء لا يأبهون، وأبناء عمومة لاهون، وجمع غفير من العشاق السابقين، كل يشيح ببصره، ويضع سبابتيه في أذنيه، في مشهد لا يصدقه عاقل ولا مجنون.

ما هو الواقع المقدسي اليوم؟!!

نحن اليوم في خضم هجمة إسرائيلية لا تبقي ولا تذر، تطال روح القدس، تحاصر ما تبقى من نبض ضئيل في قلبها المتعب، تستأصل شأفة الحياة من جسمها العليل، هجمة ترقى إلى مستوى عملية تطهير عنصري، من وزن جرائم حرب، أو جرائم ضد الإنسانية، إلى مستوى جريمة الإبادة العنصرية المرعبة، وذلك نظراً لشدة المقترفات المنهجية الجارية ضد حاضر هذه المدينة، وضد مستقبلها في المدى المنظور.

ليس الوقت وقت قرع الجرس الذي لم يعد له رنين، وإطلاق صرخة بلا رجع في واد سحيق، بل على العكس من ذلك كله، هذا هو الأوان الملائم للنفير، إنها اللحظة المواتية لإعادة الكر من جديد، إنها لحظة القدس التي علينا الإمساك بها بيدين قويتين قبل أن تذهب سدى وتضيع في زحمة الآجال المؤجلة والمواعيد التي لا تأتي أبداً.

ما أود قوله بكل إيمان وثقة ودون مراء وبلا أي انفعال، علينا الانتقال عاجلاً لا آجلاً من حالة الدفاع المتهافت عن القدس، إلى وضعية الهجوم المنسق جيداً، المتتابع المراحل، المتراكم النتائج، في كل ما يتصل بحاضر المدينة المقدسة، ويخص هويتها الحضارية، ومكانتها الدينية، وإرثها الإسلامي، ومركزها التاريخي، وموضعها الوجداني في قلوب وعقول ملايين العرب والمسلمين كافة، جاعلين مما يجري في المدينة المقدسة عنوان كفاح شعبي دبلوماسي سياسي اجتماعي اقتصادي، شديد التركيز.

علينا أن نكف عن اللعب الحذر على خطوط التماس، والجري بلا طائل على أطراف الملعب الفسيح، مرة باللوم والتلاوم وأخرى بالمسؤولية على هذه المرجعية التي لا تعمل إلى تلك التي لا تعمل كذلك، علينا الاستدارة بالكامل من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم بدءاً بأنفسنا وتقويم أعمالنا في القدس ومن أجلها، إدارة وصموداً ودعماً وكفاحاً لنتمكن من التقدم، والقيام من ثمة بالاشتباك المخطط مسبقاً أمام المرمى، وأن نحسن عندها التسديد، وتسجيل النقاط الثمينة في مباراة تكون فيها القدس أو لا تكون، ونعود في نهايتها أهلاً لهذه المنازلة الكبرى.

وبالرغم من مركزيتها الشديدة لنا نحن الفلسطينيين، فإن القدس في واقع الأمر ليست مجرد مدينة فلسطينية هامة جداً وباذخة، ولا هي فقط العاصمة التي لا عاصمة غيرها لدولة فلسطينية مستقلة، بل هي فوق ذلك كله حاضرة عربية إسلامية ذات قداسة لا تعادلها سوى مكة والمدينة، مدينة لا يختلف اثنان على أزلية عروبتها، ولا يتجادل مسلمان أو مسيحيان في مشارق الأرض ومغاربها على هويتها الخالدة خلود الرسالة المحمدية، ورسالة سيدنا المسيح عليه السلام وجميع الرسل والأنبياء.

على هذه الخلفية العريضة عرض السماوات والأرض، ينبغي لنا أن نعيد قراءة اللحظة المقدسية النازفة، على نحو يعيد إنتاج مدخلاتها وتبعاتها، كمسؤولية تشترك في حمل أوزارها الثقيلة أكتاف ملايين المخاطبين بهذه اللحظة قبل أن تتسلل من بين أيدينا وتضيع، كما ينبغي لنا أيضاً أن نعيد موضعتها في قلب جدول أعمال الدول والحكومات والبرلمانات والأحزاب وسائر القوى الاجتماعية، المتدافعة في هذه الآونة التاريخية النادرة، لجلاء صورة عربية جديدة، واستنهاض طاقات جماهيرية كامنة، على إيقاع الربيع الديمقراطي العربي المبشر بزمن جديد.

وهكذا، فإن ما أود طرحه على الرأي العام الفلسطيني، ووضعه بين يدي القيادات الفلسطينية الوطنية الإسلامية، هو القيام بمساعٍ رسمية وشعبية في آن معاً، قوامها مبادرة هجومية لا يشوبها الارتباك، لإعلان مدينة القدس بمثابة العاصمة السياسية الرمزية والدينية والثقافية للأمة العربية، وفي الوقت ذاته إعلان القدس كعاصمة روحية للأمة الإسلامية، يتم عرضه وإقراره على مستوى وزراء الخارجية في كل من الدول العربية والإسلامية، لتتحمل مسؤولياتها السياسية والدينية والأخلاقية والمالية والاقتصادية والنضالية تجاه المدينة المقدسة وحمايتها من هذه الهجمة الإسرائيلية العدوانية الشرسة.

ذلك أن هذين الإعلانين من شأنهما أن يقدما رداً سياسياً على إدعاءات وزارة الخارجية الإسرائيلية حول مكانة المسجد الأقصى عند المسلمين، ومن شأنها أن تشكل كذلك رداً سياسياً يعادل التوجه الإسرائيلي بإعلان القدس عاصمة للشعب اليهودي، وينطويان في الوقت ذاته على سلسلة من المسؤوليات المترتبة، تلقائياً، على عاتق نحو سبع وخمسين دولة تشكل في مجموعها مجموعة من أكبر المجموعات الدولية، مسؤوليات من طبيعة عملية ملموسة، ليس أولها وجوب تعزيز خط الدفاع الأول عن المدينة ودعم صمودهم، وهم أهلها، وإنما كذلك القيام بحملة دبلوماسية واسعة النطاق لكبح جماح عملية تهويد المدينة وأسرلتها، ومنع تطهيرها عرقياً وسرقة هويتها، وبالتالي نقلها إلى الأولوية الأولى على جدول الاهتمامات العربية والإسلامية.

ولا تتوقف هذه الرؤية الهجومية عند حدود طرح قضية القدس على المرجعيات العربية والإسلامية فقط، وإنما تتعدى ذلك إلى بسطها بين يدي البرلمانات العربية المدعوة بدورها إلى اتخاذ مقررات مماثلة، ووضعها موضع اهتمام قوى الحراك العربي في مسيراته واعتصاماته شبه اليومية، كقضية لا يمكن إسقاطها من حساب الشعوب العربية الساعية إلى نيل حرياتها وديمقراطياتها وكراماتها، خصوصاً عندما تمسك هذه الشعوب بمصيرها كاملاً، وتعاود عما قريب تنظيم سلم اهتماماتها الوطنية والقومية.

إنني وأنا أدعو إلى مثل هذه المبادرة الهجومية، التي ينبغي إسنادها بحراك جماهيري فلسطيني، وبخطة عمل مدروسة جيداً، وممولة على نحو أجود، للدفاع عن مدينة القدس ودعم صمود أهلها، سواء أكان ذلك من جانب السلطة الوطنية أو من جانب سائر الفعاليات الاقتصادية الفلسطينية أو الدول والحكومات والمنظمات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني العربية والإسلامية، فإنني آمل أن تنال هذه المبادرة ما تستحقه من نقاش جماهيري، ومن اهتمام رسمي، لعلنا نتمكن في ربع الساعة الأخير من زمن المعركة الجارية على حاضر القدس ومستقبلها، من استرداد الزمام في هذه اللحظة التاريخية العصيبة.

تبقى ضرورة القول، أن ما نطالب به أنفسنا في هذه الآونة التي يختلط فيها النابل الفلسطيني بالحابل، وتنأى فيه القضية برمتها عن صدارة الاهتمامات الإقليمية والدولية، هو التقدم إلى الأمام بسياسة فلسطينية عملية وراشدة، أساسها السعي إلى تعزيز صمود المقدسيين بالميزانيات والمشاريع التطويرية الملموسة، لا بالخطب والشعارات الرنانة، جنباً إلى جنب مع رفع وتيرة المقاومة الشعبية بكل سبلها المتاحة، وفوق ذلك كفاح دبلوماسي قانوني إعلامي منسق على الجبهة الدولية ومؤسسات الأمم المتحدة والرأي العام، وذلك كله دون أن يفت في عضدنا انصراف العرب والمسلمين عنا، وقلة اهتمام المجتمع الدولي بمصيرنا، وهما أمران يمكن استدراكهما فقط من خلال زيادة الحضور الفلسطيني وتفعيل العنصر الذاتي في إطار هذه المواجهة الطويلة والمريرة.

 

 

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website