"المشاركة السياسية للمرأة الفلسطينية وصنع القرار"- مراجعة: نادية عيلبوني عدد249-250

 

"المشاركة السياسية للمرأة الفلسطينية وصنع القرار"- مراجعة: نادية عيلبوني[1]

روز شوملي مصلح، المشاركة السياسية للمرأة الفلسطينية وصنع القرار

الناشر: مركز الأبحاث- منظمة التحرير الفلسطينية (رام الله)، 2012، 128 صفحة.

لطالما وقعت المرأة الفلسطينية تحت ظلال التهميش، وهي رغم ما يقرب من التسعين عاما من النضال والتضحيات التي قدمتها، ظل حصادها هزيلا لأسباب طرحتها الباحثة روز شوملي مصلح  في كتابها "المشاركة السياسية للمرأة الفلسطينية وصنع القرار"، الصادر عن مركز الابحاث الفلسطينية، وفيه تلقي الضوء على مسيرة كاملة تشتمل على نجاحات واخفاقات المرأة الفلسطينية على مدى تسعة عقود من العمل النسوي الفلسطيني.

سلطت الباحثة الضوء على سنوات ما قبل عام 1948 التي شهدت نشاطا ملحوظا للمنظمات النسوية، بالرغم من تميّزها بغلبة واضحة لـ"السيطرة البارزة على عملها ورئاستها" وربطها، بشكل أو بآخر، بالأحزاب التي كانت قائمة آنذاك، وقامت بأدوار هامة على صعيد قضية المرأة بالذات، ابتداء بقيامها بـ"التظاهرات" وتقديم "عرائض الاحتجاج"، وليس انتهاء بتقديم خدمات اجتماعية و"ثقافية" و"تعليمية"، وأن بعضها كان مدركاً، بحق، لعمق القضية النسوية كقضية قائمة بذاتها، من خلال تركيز بعض الجمعيات والشخصيات النسوية على مطلب "المساواة الكاملة بين المرأة والرجل"، عبر دورها التثقيفي والتعليمي، ومن خلال الكتابة بالصحف المحلية، مثال (مهيبة خورشيد) عن جمعية (زهرة الأقحوان) النسائية في يافا، التي طرحت في الصحف المحلية قضية المساواة بين الجنسين.

أكثر من هذا، تمكنت المرأة الفلسطينية، كما تؤكد الباحثة شوملي، عبر جمعياتها في تلك الفترة من تحقيق الاعتراف بها عربيا بدعوتها وحضورها إلى المؤتمر الذي أقامه الاتحاد النسائي في مصر بقيادة السيدة هدى شعرواي. ورغم عنوان المؤتمر "دعم القضية الفلسطينية"، إلا أنه أقر قضايا نسائية بحتة مثل "تعليم المرأة" و"رفع سن الزواج للفتيات".

بعد نكبة عام 1948 وتشريد ثلاثة أرباع الشعب الفلسطيني داخل وخارج فلسطين، ترصد الباحثة المهام والنوعية التي فرضها واقع اللجوء كمهام قاسية وملحة  ومضاعفة على المرأة، والتي تجلت بقيامها بمبادرات خلاقة كتلك التي قامت بها السيدة سميحة خليل بتأسيس جمعية (إنعاش الأسرة في البيرة)، التي "لعبت دوراً مميّزاً في تمكين المرأة اقتصاديا وتوعيتها وطنيا، وحضور النساء في الاجتماع التأسيسي الأول لمنظمة التحرير الفلسطينية في القدس عام 1964، والذي بادرت على إثره النساء لرسم توجهاتهن للعمل من خلال الدعوة  لعقد المؤتمر الأول للاتحاد العام للمرأة الفسطينية". وعادت القضية الفلسطينية لتحتل الصدارة في العمل النسوي، وظلت أيضا، في تلك الفترة ينظر إليها كعمل وطني تكميلي لدعم القضية، دون أن يكون لها هوية خاصة بها.

هل يمكننا القول إن الهم الوطني كان عاملا سلبيا في عدم إحراز المرأة الفلسطينية تقدما ملموساً على صعيد قضيتها في مجتمعها؟ من الصعب الجزم بذلك، بل ربما كان من سوء حظها أن تكون الأحزاب السياسية التي كانت قائمة آنذاك، عجزت عن ربط قضايا التحرر الاجتماعي برمتها في سياق واحد ومتصل مع القضايا الوطنية. لقد انصبت جهود المرأة الفلسطينية في تلك الفترة، كما ترى الباحثة روز شوملي، وخصوصا بعد النكبة وبعد "نكسة" حزيران (يونيو) عام 1967، على ما أفرزته تلك الهزائم من قضايا مثل قضية اللاجئين، وقضية توفير المأوى والغذاء والتعليم، التي كان نصيب العبء الأكبر منها يقع على كاهل المرأة "قبل قيام وكالة غوث وتشغيل اللاجئيين بدورها في هذا المجال".

أما السمة المشتركة والأبرز التي تلقي عليها الباحثة الضوء، وما تزال تلعب دورا واضحا حتى الآن فهي محاولة الأحزاب والتنظيمات السيطرة على العمل النسوي. والطغيان البارز لبرامج الأحزاب السياسية على عملها وتوجهاتها واستمرار تغييب قضايا المرأة الهامة والملحة، وهي السمة التي ميزت مراحل التاريخ السياسي الفلسطيني قبل النكبة وما بعدها. وربما كان الاستثناء الوحيد الذي أشارت إليه الباحثة، هو "الانتفاضة السلمية الأولى" في الضفة الغربية وغزة، حين بدأت النساء العاملات بشكل يومي ومن مختلف الاتجاهات السياسية "يضقن ذرعا بتدخل الأحزاب السياسية في عملهن. لقد ساهمت النساء بكل أعمال الانتفاضة، في التعليم الشعبي، وفي حماية المطاردين، وفي إسعاف الجرحى وتنظيم حملات لفحص فئة الدم، وتأمين المواد التموينية للمخيمات والقرى المحاصرة، ومراقبة الطرق والكتابة على الجدران. وزيارة أسر المعتقلين" إلخ، حيث تشير الباحثة في كتابها لـ"رفض الكادر النسائي لسيطرة الأحزاب على الأطر النسائية التي كانت كما يبدو تتحكم في اختيار القيادات وتحديد البرامج الخاصة بالمرأة، وساهمت في تهميش دور الكادر النسائي داخل الأحزاب، إلى حد تفكير بعضهن بتشكيل حزب نسائي بعيدا عن سيطرة الرجال وأحزابهم".

هنالك قضية هامة أشارت إليها الباحثة في سياق كتابها ولكنها للأسف لم تولها الأهمية التي تستحقها، ألا وهي ظاهرة "ترييف" العمل النسوي، بما هو نشاط مديني بالأساس، وانعكاس هذه الظاهرة على استتباع منظمات المرأة للأحزاب الفلسطينية التي طغى عليها أيضاً الطابع الريفي بصورة مماثلة، وأثر ذلك كله على عدم تحقيق انجازات كبيرة على كل الأصعدة السياسية والاجتماعية، بما فيها قضية المرأة. هذا "الترييف" الذي جاء بعد النكبة، وبعد هزيمة حزيران، وخصوصاً بعد انتصار المقاومة الفلسطينية في معركة الكرامة، وما استتبعه من اندفاع "الشابات والشباب" في المخيمات للانخراط في العمل الفدائي، والذي أعادته الكاتبة وهي محقة في ذلك، إلى بنية المخيمات التي كان معظم لاجئيها من القرى الفلسطينية المهجرة.

أهمية المطالبة بتناول تلك الظاهرة ينطلق من اعتبارات عديدة، أهمها ما يحمله هذا التوجه من خطر فرض قيم الثقافة الريفية التقليدية على المجتمع الفلسطيني كله، الأمر الذي يلغي الإمكانات الحقيقية للانفتاح الثقافي والفكري والاجتماعي الذي تحتاجه كل قضايا تحرر المجتمع الفلسطيني، فتغيب معه المرونة السياسية، ويجري تقديس قيم الواقع وثقافته باعتبارها قيما مقدسة تحاكي هوية الشعب الفلسطيني، والحديث في هذا الجانب ذو شجون، بالتأكيد، ويطول الخوض فيه.

أما عن المرأة أثناء وبعد مفاوضات السلام واتفاقات أوسلو، فتسوق الباحثة عديد الأمثلة لاعتراض بعض النساء والشخصيات النسائية على تلك الخطوات، وهي كما تم سرد حيثياتها  في الكتاب لم تتجاوز، في أحسن الأحوال، خيبة الأمل، كما لدى نسوة (فتح)، والتحاق نسوة المنظمات اليسارية والأحزاب بمواقف منظماتها وأحزابها الرافضة للاتفاقات، والابتعاد عن ترشيح أنفسهن للانتخابات الرئاسية والتشريعية الأولى.

ربما تكمن أهمية استقلالية العمل النسائي عن الأحزاب السائدة في مبادرة السيدة سميحة خليل وهي المستقلة تنظيميا، والتي خرجت عن كل ما هو سائد من اعتبارات وعوائق، بعضها اجتماعي والآخر سياسي يتعلق بطبيعة الأحزاب والمنظمات والفصائل الفلسطينية نفسها، والقيام بخطوة لم تسبقها إليها أية امرأة عربية، تجسدت في ترشيح نفسها للانتخابات الرئاسية متحدية هيمنة "ذكورية" للمشهد السياسي الفلسطيني، وفي مواجهة لرمزها الرئيس الراحل ياسر عرفات.

استبعاد النساء في تلك الانتخابات، كان موقفا عاما؛ فحتى حركة فتح التي رشحت بعض النساء لديها لم تقدم لهن ما يكفي من دعم لإتاحة الفرصة لفوزهن وللوصول إلى مراكز صنع القرار في المجلس التشريعي سواء الأول أو الثاني. وفي سياق متصل، تلاحظ الباحثة كيف "عكست مقاطعة الأحزاب الرافضة لأوسلو نفسها على الانتخابات التشريعية الأولى، لجهة ضعف الحضور النسوي،" حيث رأت الباحثة هذا في كون "غالبية المرشحين/ات من حركة فتح، بالإضافة إلى مستقلين/ات والباقي من حزب الشعب والحزب الديمقراطي الفلسطيني (فدا) والجبهة العربية الفلسطينية".

في هذا الخصوص، تعكس معركة النساء من أجل إقرار مبدأ "الكوتا" لضمان مشاركة النساء في الوصول إلى المجلس التشريعي، مدى عدم جدية التنظيمات بعمومها للاهتمام بوصول النساء إلى مراكز صنع القرار، ولعل الحوارات واللقاءات والاجتماعات والنقاشات التي دارت بين منظمات وشخصيات سياسية وبين شخصيات نسوية ورفض مبدأ "الكوتا: بذريعة كونه قرارا تمييزيا يشكل خرقا للقانون الأساسي الفلسطيني الذي ينص على عدم التمييز، يعكس الحد الذي بلغته عقلية الساسة الفلسطينيين بالاستهتار بالعنصر النسوي ومحاولة استبعاده، وربما كانت محاولة استرضاء العنصر النسوي من خلال تسليم بعضهن لعدد من المناصب في المجالس المحلية التي لم يتمكن الفلسطينيون من إجراء الانتخابات فيها، بمبادرة من السيد صائب عريقات، يوضح أن المسألة لا علاقة لها بالدستور الفلسطيني ولا بالوضع القانوني التمييزي، بقدر ما أريد له أن يبدو كـ"منّة" وكرم أخلاق تقدم للمرأة وليس كحق من حقوقها.

لم يشفع للمرأة الفلسطينية مناداتها ومشاركتها بموضوع المصالحة الفلسطينية وتبني "وثيقة الأسرى" كأساس لها، وظل الوضع على حاله تقريبا بالنسبة لإتاحة الفرصة أمامها للمشاركة السياسية. كما تعكس الانتخابات التشريعية الثانية وقلة عدد النساء بالمقارنة مع عدد الرجال. أن قضية المرأة ومشاركتها لم تحقق حتى الآن النجاح المطلوب ولا الجهد الموازي المبذول من أجلها من قبل النساء. لقد فرض على المرأة الفلسطينية القيام بأعباء أثقلت كاهلها دون مردود يذكر، واستلبت وهي تتصدى لمهام وطنية واجتماعية غالبا ما تحتاج لمؤسسات كبيرة لإنجازها دون أن تحقق حضوراً موازياً بحجة أولوية الهم الوطني على ما عداه.

وربما تكون مظاهر ذلك الاستلاب نتيجة لتلك الرؤية الضيقة متعددة  في أوجهها السلبية، والتي لعبت بالتأكيد دورا في إهمالها لقضاياها الكثيرة الملتصقة بها وبهمومها، كتلك المتعلقة بالعنف ضد المرأة والقتل على خلفية الشرف، والكثير من قوانين الأحوال الشخصية المتعلقة بالزواج والطلاق وحضانة الأطفال والتي مر عليها كتاب الباحثة مرورا خجولا دون أن تأخذ حقها من العرض والتحليل. ويمكننا ملاحظة، بحسب الكاتبة، أنه رغم توقيع الاتحاد العام  للمرأة الفلسطينية على بعض الاتفاقات الدولية التي تؤصل لوضع قانوني ضد التمييز عموما وضد التمييز ضد المرأة على وجه الخصوص، فإن ذلك لم يؤت أكله عموما لصالح المرأة، وربما يعود السبب في هذا إضافة إلى احتكار السياسيّين بكافة منظماتهم وأحزابهم للمشهد كله، إلى أثر المد الأصولي الديني على المنطقة عموما وعلى فلسطين خصوصا، الأمر الذي لم تطرحه الكاتبة في عرضها وتحليلها برغم الانعكاسات السلبية لهذا المد الأصولي على المجتمع الفلسطيني وثقافته عموما وعلى قضية المرأة على وجه الخصوص، ومثّل كابحا لا يستهان به في نضالها من أجل تغيير ضروري وملح  في مجال العمل على تغيير قوانين الأحوال الشخصية التي لم يطرأ عليها أي تقدم يذكر.

وبالرغم من هذه الثغرات، فمما لا شك فيه أن الكتاب هام على صعيد رصد المراحل التاريخية للعمل النسوي في مجال المشاركة النسوية، وهو كتاب هام أيضاً على صعيد رصد الشخصيات النسائية الفلسطينية من اللواتي لعبن دوراً بارزاً في كافة أوجه الحياة الفلسطينية، وهو باعتماده على الكثير من المراجع والوثائق يعتبر مرجعا هاما بهذا الخصوص.

[1] كاتبة فلسطينية، مقيمة في فينا.

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website