اللاجئون الفلسطينيون - بين "حق العودة" ومشاريع التوطين - نعيم ناصر - عدد 249 - 250

اللاجئون الفلسطينيون- بين "حق العودة" ومشاريع التوطين- نعيم ناصر[*]

 

شكل العام 1948 منعطفا بارزا وخطيرا في تاريخ الشعب العربي الفلسطيني وقضيته العادلة.  فقد شهد ذلك العام انهيار المقومات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للفئات الاجتماعية كافة.

وكان لمأساة اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، وتدمير مدنه وقراه ومصادرة أراضيه، وتحويله إلى مجموعات من اللاجئين المعدمين، وإنشاء إسرائيل على أنقاضها، الأثر الكبير في رسم معالم وتطورات الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، والعربي - الإسرائيلي.

وعلى الرغم من أن النكبة، التي حلت بالشعب الفلسطيني، هي وليدة الهزيمة العربية على أرض فلسطين في العام 1948، إلا أن مسبباتها سبقت هذا التاريخ بعشرات السنين، فهي تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وازدياد الهجرات اليهودية الاستيطانية إلى فلسطين، وإبرام اتفاقية "سايكس بيكو" بين بريطانيا وفرنسا في العام 1916، وتقسيم الدول العربية فيما بينهما، ووعد بلفور في العام 1917.

وعلى امتداد سنوات النكبة شغلت قضية اللاجئين الفلسطينيين الأوساط السياسية والدبلوماسية للدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي أصدرت أكثر من قرار ينصّ على عودة اللاجئين إلى الأماكن، التي هُجّروا منها، وتعويضهم عن ممتلكاتهم، التي استولت عليها إسرائيل. ويُعّد القرار (194) أبرزها وأهمها والذي تبعه العشرات من القرارات، التي تؤكد ضرورة تطبيقه.

القرار 194 ومؤتمرا لوزان وباريس

بعد هزيمة الجيوش العربية أمام الجيش الإسرائيلي، وتهجير نحو 800 ألف فلسطيني من وطنهم، وقيام إسرائيل في الرابع عشر من شهر أيار (مايو) 1948، أصبحت مشكلة اللاجئين، منذ ذلك الوقت، مطروحة على أجندة الأمم المتحدة، ومؤسساتها المختلفة. ولعل أبرز القرارات التي صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في جلستها العامة رقم (186) وأهمها، بخصوص اللاجئين الفلسطينيين، هو القرار (194) المؤرخ في الحادي عشر من شهر كانون الأول (ديسمبر) 1948، وبخاصة الفقرة (11) منه، التي تنص على الآتي:

"تقرّر وجوب السماح بالعودة، في أقرب وقت ممكن، للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم، والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقرّرون عدم العودة إلى ديارهم، وعن كل مفقود أو مصاب بضرر، عندما يكون من الواجب، وفقاً لمبادئ القانون الدولي والإنصاف، أن يُعوّض عن ذلك الفقدان أو الضرر من قبل الحكومات أو السلطات المسؤولة.

تصدر ]الجمعية العامة للأمم المتحدة[ تعليماتها إلى لجنة التوفيق ]لجنة الأمم المتحدة للتوفيق بشأن فلسطين[ بتسهيل إعادة اللاجئين، وتوطينهم من جديد، وإعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي، وكذلك دفع التعويضات، وبالمحافظة على الاتصال الوثيق بمدير إغاثة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين، ومن خلاله بالهيئات والوكالات المتخصصة الملائمة في منظمة الأمم المتحدة".(1)

وبناء على القرار المذكور شكّلت الجمعية العامة لجنة التوفيق من مندوبين من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وتركيا، وأوكلت إليها مهمة التدخل لدى الأطراف المتنازعة (إسرائيل والدول العربية) لتسهيل البحث عن الوسائل الكفيلة بإحلال "سلام إيجابي" يقوم على علاقات طبيعية بين الأطراف بالتدريج لتحلّ محلّ "سلام سلبي" استند على اتفاقات الهدنة، التي تم التفاوض بشأنها بين إسرائيل وبين كل من مصر والأردن وسورية ولبنان، وذلك في الفترة بين شهري شباط (فبراير) وتموز (يوليو) 1949، وكانت ذات طابع عسكري محض لوضع حدّ للاشتباكات بينهما نهائيا.

ولتنفيذ القرار المذكور، عقدت لجنة التوفيق مؤتمرين: الأول في مدينة "لوزان" السويسرية، والثاني في "باريس".

مؤتمر "لوزان" (27 نيسان (إبريل) إلى 15 أيلول (سبتمبر) 1949):

يعتبر هذا المؤتمر من أوسع المؤتمرات إطلاقا، التي بحثت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بعمق وتوسع، حتى الآن، وضم ممثلين عن الدولة العبرية، وممثلي الدول العربية الأربع: مصر وسورية والأردن ولبنان. ويلاحظ هنا غياب ممثلي الشعب الفلسطيني، الطرف المعني مباشرة بالمشكلة. وقبل البدء بأعمال المؤتمر، التي تمت مباحثاته بين الأطراف في شكل غير مباشر بعد رفض الوفود العربية للمباحثات المباشرة، اصطدمت اللجنة بعقبة إجرائية تمثلت بأولويات جدول الأعمال. فقد اتفقت الوفود العربية، في بداية المؤتمر، على أولوية حل مشكلة اللاجئين، كشرط مسبق لأية مباحثات سلام. (وقد تراجعت الوفود العربية عن هذا الشرط، فيما بعد، كما سيتبين لاحقا) فيما أصرت إسرائيل على أولوية السلام، قبل تناول مسألة اللاجئين. وهكذا وجدت لجنة التوفيق نفسها أمام حلقة مفرغة. "كان في وسع الحكومة الإسرائيلية كسرها بواسطة تقديم اقتراح بناء للمساهمة في حل هذه المشكلة"، حسب رأي اللجنة المذكورة (2).

وبناء على مناشدة من اللجنة اقترحت الولايات المتحدة اتخاذ تدابير لإعادة ربع اللاجئين إلى ديارهم فورا (نحو 200 ألف لاجئ) كبادرة حسن نية من إسرائيل تجاه مباحثات لوزان. إلا أن إسرائيل رفضت ذلك، الأمر الذي أزعج الأمريكيين، وحمل الرئيس ترومان إلى القول، في رسالة وجهها إلى مارك اثريدج، مندوب الولايات المتحدة في اللجنة: "إني مشمئز من الطريقة، التي يتناول الإسرائيليون بها مشكلة اللاجئين. لقد قلت لرئيس ]دولة[ إسرائيل ما اعتقده في هذا الخصوص بحضور سفيره"(3). وعقب الرفض الإسرائيلي شرع المندوب الأمريكي (اثريدج) بحضّ الإسرائيليين على إصدار إعلان متساهل، يقبل مبدأ العودة، الذي نص عليه القرار (194).  "فقد كان من شأن هذه المبادرة أن تؤثر في الممثلين العرب، وتدفعهم باتجاه المصالحة والسلام"، على حد تعبيره. لكن رئيس الوفد الإسرائيلي، والتر ايتان، أشار بوضوح، منذ أول لقاء رسمي له مع أعضاء اللجنة، في الثالث من شهر أيار (مايو) 1949، إلى أن مواقف حكومته بقيت كما هي؛ ثم شرع يذكر بأسس هذه المواقف:

"- إن إسرائيل لا تعتبر نفسها مسؤولة عن وضع اللاجئين، بأي حال من الأحوال، ويجب توجيه اللوم إلى العرب، الذين شنوا الحرب، وحضّوا إخوانهم الفلسطينيين على الفرار من ديارهم؛

"- إن إسرائيل، كدولة في الشرق الأوسط تهتم بوضع هؤلاء ال550 ألفاً الذين لا مأوى لهم (رفض ايتان الرقم 800 ألف لاجئ الذي كان يقدم عادة من قبل العرب) لأسباب إنسانية؛

"- غير أن عودة هؤلاء إلى إسرائيل مستحيلة، إما من وجهة نظر اجتماعية، أو من وجهة نظر عملية. فهروب العرب جعل من البلد أرضا يهودية، لن يكون في وسعهم التعرف عليها. وسيكون السماح لهم بالعودة بمثابة خطوة إلى الوراء، سياسيا واجتماعيا. وعلى هذا فإن إسرائيل تعتقد أنه يجب توطين اللاجئين في البلاد العربية لأسباب اجتماعية وسياسية ودينية واقتصادية".(4) 

وبناء عليه بدا الموقف الإسرائيلي، في اللقاء الرسمي الأول للمؤتمر، رافضا بشكل صريح للمبدأ الذي نصت عليه الفقرة (11) من القرار (194). وهي النتيجة التي خلصت إليها اللجنة في تقريرها الأولي إلى الأمين العام للأمم المتحدة.

غير أن الانتهازية السياسية دفعت المسؤولين الإسرائيليين إلى المراوغة، عندما كانت الجمعية العامة تناقش قبول إسرائيل في الأمم المتحدة، بتاريخ الحادي عشر من شهر أيار (مايو) 1949، فعمدوا إلى "تليين" مواقفهم لحمل أعضاء الجمعية العامة على التصويت إلى جانب انضمام إسرائيل إلى الأسرة الدولية، دون إلزامها بتنفيذ القرار (194) مقابل ذلك.

وبرز هذا "اللين" في اقتراحين قدمتهما إسرائيل للجنة، لإظهار حسن نواياها؛ الأول: يتعلق بضم قطاع غزة، بكل ما فيه من لاجئين ومواطنين إلى إسرائيل. والثاني: جمع شمل الأسر. ففي العشرين من شهر أيار (مايو) اقترح الوفد الإسرائيلي على لجنة التوفيق، رسميا، أن تصبح الحدود القديمة، التي كانت تفصل فلسطين عن مصر، الحد الذي يفصل إسرائيل عن مصر. وفي هذه الحالة، تصبح غزة، بمن فيها من السكان، جزءا من إسرائيل. وهو ما اعتبرها ممثلها "مساهمة مرموقة في حل مشكلة اللاجئين"(5) .

وقد أبلغت لجنة التوفيق الإسرائيليين، قبل أن تنقل هذا الاقتراح إلى العرب، أن الأمل بأن يقبلوا به ضعيف. وهو ما حصل، عندما رفضته مصر(بحكم إدارتها لقطاع غزة) وكذلك فعلت باقي الوفود العربية.

أما بخصوص الاقتراح الثاني (جمع شمل الأسر) فقد قننته إسرائيل إلى أبعد الحدود، وأعطته تفسيرا أوروبيا (حددته بفردين أو ثلاثة للأسرة) ما جعله غير واقعي، واعتبرته بمثابة تنازل نهائي ومفرط من قبلها. أما الوفود العربية فلم تعلق على هذا الاقتراح.

مؤتمر باريس 15 أيلول (سبتمبر) إلى 31 كانون الأول (ديسمبر) 1951:

عقب ذلك، وبعد سنة 1949، تقلص اهتمام أطراف الصراع بلجنة التوفيق، وبخاصة لدى إسرائيل، التي لم تغير ولم تعدل أية نقطة من النقاط الأساسية في سياستها، لأن حكومتها، حينذاك، كانت تعتقد أن توطين اللاجئين الفلسطينيين سيلغي مشكلتهم، وأن مسائل القدس والأراضي ستحل كذلك حل أمر واقع.

وبعد تعليق مفاوضات لوزان، وخلال استئناف جلسات لجنة التوفيق في نيويورك في تشرين الأول (أكتوبر) 1949، أشارت الوفود العربية إلى أن المنهج الذي اتبعته اللجنة حتى ذلك الحين – وقوامه مجرد نقل مقترحات طرف إلى الطرف الآخر- لم يفض في رأيها ]أي في رأي هذه الوفود[ إلى نتائج تذكر. وأعربت عن رجائها في أن تقدم اللجنة اقتراحاتها هي. وأعلنت اقتناعها بأن اللجنة ستقوم بهذه المهمة بنجاح .. مضيفة أنها ليست مستعدة لدخول مفاوضات مباشرة مع ممثلي إسرائيل.. وطالب العرب اللجنة بوضوح بأن تضطلع بدور وساطة، من حيث اشتمال الوساطة، كطريقة تسوية للنزاعات، على طرف ثالث مؤهل لاقتراح حلول لا لعرض المساعي الحميدة أو مساعي التوفيق.(6)

وفي المقابل كان الوفد الإسرائيلي، من جهته، يشدد على رغبته في دخول مفاوضات سلام مباشرة مع كل طرف من الأطراف المعنية ]كل على حدة[ وكان رأيه أن رفض الدول العربية الاجتماع مع ممثلي إسرائيل حول طاولة مؤتمر، وبرعاية اللجنة، يجعل مواصلة جهود لجنة التوفيق غير مجدية، بل ضارة.

ورأى وفد إسرائيل أن المنهج القاضي بأن تصوغ اللجنة نفسها في اقتراحات واضحة دقيقة، يضع "جميع إجراءات التوفيق، التي اعتمدت حتى الآن، وكذلك تفويض اللجنة نفسه، موضع إعادة نظر".(7)

أمام هذين الموقفين المتعارضين، قررت لجنة التوفيق تعليق أعمالها في نيويورك والاجتماع مجددا في جنيف بتاريخ 16/1/1950 لمواصلة المفاوضات بين الجانبين الإسرائيلي والعربي، لكن دون جدوى.. إذ لم يكتف الوفد الإسرائيلي بترديد موقف بلاده المعروف من مشكلة اللاجئين، وإنما زاد على ذلك بأنه لا يرغب في التقاء الوفود مجتمعة في كتلة واحدة.. عدا عن أنه لا يمكن التوصل إلى معاهدة سلام رسمية: "فالحل الوحيد بناء السلام على مراحل بالتدريج، من خلال اتفاقات محددة على مواضيع خاصة".(8)

وعندما وصلت المباحثات في جنيف إلى طريق مسدود، قررت لجنة التوفيق إعطاء فرصة أخيرة للجانبين العربي والإسرائيلي لاستمرار المفاوضات، ودعتهما إلى باريس.. وبدا منذ اللحظة الأولى أن الموقف الإسرائيلي كان يعرّض المؤتمر لخطر الانهيار قبل أن يبدأ. ففي سلسلة من "الملاحظات الأولية" كانت في الواقع تحفظات، طلبت إسرائيل أن يقبل العرب بأن يكون موضوع المؤتمر التسوية النهائية للصراع. وعلاوة على ذلك أبدى المندوبون الإسرائيليون شكوكا كبيرة في جدوى إجراءات تعرض فيها لجنة التوفيق مقترحاتها على الأطراف لمعاينتها ودرسها، لأنهم كانوا لا يزالون يبحثون عن المفاوضات المباشرة مع نظرائهم العرب.

افتتح المؤتمر في منتصف شهر أيلول (سبتمبر) 1951، بإعلان لرئيس لجنة التوفيق، بالمر، الذي هو في الوقت نفسه ممثل الولايات المتحدة في اللجنة، اتخذ شكل الديباجة. وعرض على الجانبين العربي والإسرائيلي الموافقة على إعلان من خمس نقاط هي:

1.     "الإلغاء المتبادل للمطاليب المتعلقة بأضرار الحرب؛

{C}2.     {C}ضرورة قبول إسرائيل عودة عدد محدد من اللاجئين العرب؛

{C}3.     {C}اعتراف إسرائيل بوجوب دفع مبلغ إجمالي تعويضا عن أرزاق اللاجئين ]الفلسطينيين[ غير العائدين(...).

{C}4.     {C}الوقف المتبادل لإجراءات تجميد الحسابات المصرفية،

{C}5.     {C}إمكانية مراجعة أو تعديل اتفاقات الهدنة في بعض النقاط.

ويجب السعي لحل المشكلة بروح واقعية وعلى أساس التنازلات المتبادلة. كما يجب اعتبار هذه المقترحات رزمة واحدة. وينبغي للديباجة المذكورة أن تبدأ بإعلان أولي تعلن الأطراف فيه نياتها السلمية وتصميمها على تسهيل التسوية السلمية في فلسطين".(9)

وبدورها اقترحت إسرائيل أن يتخذ هذا التأكيد شكل معاهدة عدم اعتداء، تسمح لها بتعزيز مواقفها. أما العرب فإنهم رفضوا الديباجة إلا في صيغة مفيدة موجزة. غير أن لجنة التوفيق اعتبرت أن هذه الصيغة تساهم في توفير جو مؤات لتفحص اقتراحاتها. بيد أن الوفد الإسرائيلي رفض التعديل العربي للنص، الذي يحظر استخدام القوة المسلحة من دون أن يشتمل على التزام بالامتناع عن القيام بأي عمل عدائي تجاه إسرائيل.

وليس هذا، فحسب، بل أخر الوفد الإسرائيلي المناقشات طويلا، مطالبا بأن يؤكد العرب صراحة، كشرط مسبق للمناقشة "عزمهم كأطراف موقعة لاتفاقات الهدنة، كما فسرها مجلس الأمن – وبصفتهم أعضاء في الأمم المتحدة – على احترام التزامهم حيال إسرائيل"(10).

وكانت إسرائيل تطالب بوضوح بإعلان عدم اعتداء،  كذلك أبدت حكومتها، كما في السابق، تحفظات على مبدأ صلاحية اللجنة لتقديم مقترحات، ووصلت في الحين نفسه رفض المقترحات العربية المشار إليها سابقا. ووافقت إسرائيل في النهاية على عرض النقاط الخمس، بحسب رؤيتها. فهي ترفض الإلغاء المتبادل لأضرار الحرب، وتعارض عودة اللاجئين معارضة قاطعة.  وشكل هذا الموقف تراجعا واضحا. في حين قبلت فكرة التعويض، لكنها قرنتها بعدد كبير من التحفظات المتمثلة في: رفض المطاليب الفردية،  ورفض تقديرات مكتب اللاجئين التابع للجنة التوفيق بهذا الخصوص، وربطت موافقتها على التعويض الإجمالي، بأن تحسم منه مسبقا تعويضات أضرار الحرب.

والوفود العربية من جهتها رفضت، أيضا، الإلغاء المتبادل لأضرار الحرب، كما عارضت الحد من حق العودة، أو الحد من التعويضات المتوجّب على إسرائيل دفعها. وفي المقابل، واصلت قبول فكرة وقف التجميد المتبادل للحسابات المصرفية، وأيّدت إعادة النظر في خطوط الهدنة.

إزاء هذه المواقف المتباينة أرجأت لجنة التوفيق المؤتمر إلى إشعار آخر. وطلب العضو الأمريكي في اللجنة من وزارة الخارجية الأمريكية ممارسة نفوذها على الأطراف المتفاوضة، لكن جهودا لم تبذل في هذا الاتجاه.

وفي تقريرها إلى الجمعية العمومية في دورتها السادسة، لاحظت اللجنة فشل مهمتها: "ففي نشاطاتها خلال العام المنصرم –بل خلال أعوام وجودها الثلاثة والحق يقال– لم تكن لجنة التوفيق قادرة على تحقيق تقدم جوهري في المهمة، التي أسندتها  الجمعية العامة إليها، والتي تقوم على مساعدة أطراف المسألة الفلسطينية في تسوية جميع المسائل، التي تفصل بينهم، تسوية نهائية"(11).

وانتقدت اللجنة عجز الجانبين  على قبول تنفيذ أحكام القرار (194) تنفيذا كاملا: "(...) فحكومة إسرائيل ليست مستعدة لتنفيذ الفقرة 11 من قرار الجمعية العامة الصادر في 11 كانون الأول (ديسمبر) 1948، التي تنص على وجوب السماح بالعودة، في أقرب وقت ممكن، للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم.

والحكومات العربية، من جهتها، ليست مستعدة لتنفيذ الفقرة الخامسة من القرار المذكور، والتي تدعو إلى تسوية جميع المسائل القائمة بينها وبين إسرائيل تسوية نهائية. فهي (أي الحكومات العربية) لم تظهر في علاقاتها باللجنة، أنها مستعدة في أية حال لمثل هذه التسوية السلمية مع إسرائيل".(12)

وعلى أساس هذه الاعتبارات، خلصت لجنة التوفيق إلى تقرير عجزها عن مواصلة مهمتها.

"(...) فواقعة عدم قبول الجانبين، حاليا، تنفيذ قرارات الجمعية العامة، التي تحكم عمل اللجنة، تنفيذا كاملا –من جهة أولى– والتغييرات، التي استجدّت في فلسطين خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، من جهة أخرى، وضعت اللجنة في حالة عجز عن الاضطلاع لما انتدبت له. وهذا الوضع الواقعي أمر لا بد من أخذه في الاعتبار في كل دراسة جديدة للمسألة الفلسطينية"(13).

أمام هذه المواقف المتناقضة، بين إسرائيل والعرب، واستحالة حمل الدولة العبرية على تنفيذ قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (194) بشأن عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم، جرى حل لجنة التوفيق في نهاية عام 1951، بعد عمل مضن من قبلها استمر ثلاث سنوات. وتعتبر هذه الفترة من أطول الفترات، التي استغرقتها المباحثات الرسمية بين إسرائيل والدول العربية، بخصوص مشكلة اللاجئين الفلسطينيين.. وهو الأمر الذي انسحب لاحقا على مفاوضات منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل في هذا الخصوص.

وتأسيسا على ما تقدم من وقائع مؤتمري لوزان وباريس يمكن الوصول إلى الاستنتاجات الآتية:

1.     تصرفت إسرائيل في المؤتمر تصرف الطرف المنتصر المتعجرف. وقد راوغت في المفاوضات كسباً للوقت، كي تضفي على مكاسبها في الأرض الفلسطينية طابع الأمر الواقع، سواء من ناحية رفض عودة اللاجئين، وترسيم حدودها، أو مستقبل القدس. وقد استطاعت تحقيق أهدافها بهذه الأساليب مستفيدة من النظام الدولي الجديد، الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، المتعاطف مع اليهود، عموما، ومع أهداف الحركة الصهيونية في فلسطين، خصوصاً.

2.     أما الوفود العربية، فرغم شعورها بمرارة هزيمتها في حرب فلسطين، فقد سعت، في بداية المفاوضات، إلى التسلح  بالشرعية الدولية، وبخاصة القرار (194)، لإلزام إسرائيل التقيد به وتنفيذ بنوده، إلا أنها فشلت بسبب الضغوط، التي مورست عليها من قبل الولايات المتحدة، بحيث أخذت تقدم التنازل تلو الآخر، إلى أن شعرت أن المطلوب منها الاستسلام دون شروط، الأمر الذي لم تقوَ عليه.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن غياب ممثل للشعب الفلسطيني عن هذه المفاوضات، إضافة إلى عدم انسجام الوفود العربية فيما بينها، قد أضعف المطاليب العربية، مما سهل على إسرائيل تكريس سياسة الأمر الواقع، وتجميد قرارات الشرعية الدولية.

3.     ظهر من خلال وثائق وزارة الخارجية الأمريكية إلى ما قبل العام 1955، التي أميط عنها اللثام عام 1976، أن الولايات المتحدة كانت حريصة على تثبيت سياسة الأمر الواقع الإسرائيلية، ولكن مقابل ثمن بخس ترضي به العرب، يتمثل في عودة عدد محدد من اللاجئين الفلسطينيين، لإنقاذ ماء وجههم، وحفاظا على مصالحها النفطية والإستراتيجية في المنطقة من "الخطر" السوفياتي المزعوم، آنذاك، لأنها كانت تتخوف من أن غياب الأمن وعدم الاستقرار السياسي، بسبب مشكلة اللاجئين، ربما سيساعد على "تغلغل الشيوعية في الشرق الأوسط". ورغم هذا "القلق" الأمريكي لم تمارس الإدارة الأمريكية، في ذلك الوقت، ضغوطا جدية على إسرائيل كي تحملها على احترام قرارات الشرعية الدولية. فخلال مؤتمري لوزان وباريس سنحت لها فرصتان ثمينتان لوضع هذه الضغوط موضع التنفيذ. الأولى: عدم ربط تصويتها على قبول إسرائيل في الأمم المتحدة، بموافقتها على تنفيذ القرار (194)، أو بعضٍ منه، وهو أضعف الإيمان. والثانية: عدم استخدامها المساعدات والقروض الممنوحة من قبلها إلى إسرائيل وسيلة ضغط لحملها على التجاوب مع أهداف الولايات المتحدة المعلنة، وليس التجاوب مع القرارات الدولية!

مشاريع توطين اللاجئين الفلسطينيين خارج فلسطين

بانفراط لجنة التوفيق، نفضت إسرائيل يديها، لاحقا، من الشق السياسي لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، بوصفها مشكلة عربية "على العرب أن يجدوا حلا لها بتوطينهم في بلدانهم"، وهي على استعداد "من منطلق إنساني" أن تدعم هكذا حل. وفي هذا السبيل جهدت، إسرائيل، بالتعاون مع الغرب، خصوصا بريطانيا والولايات المتحدة، لطمس هذه المشكلة، وذلك بالعمل على توطينهم خارج فلسطين، وبخاصة في البلدان العربية. وقد برزت منذ العام 1949 مشاريع توطين عديدة، بعضها بريطاني، والبعض الآخر أمريكي وإسرائيلي، وظهرت اقتراحات لتعويضهم وإيجاد فرص عمل لهم لدمجهم في اقتصاديات الدول التي تستضيفهم ورفع مستوى وضعهم المعيشي.

ويمكن تقسيم مشاريع التوطين هذه، وفق الدول التي اقترحتها، وهي على الشكل الآتي:

مشاريع التوطين البريطانية:

مشروع العراق: ويعد من أبرز مشاريع التوطين، التي وضعتها بريطانيا، وقطعت أشواطا على طريق تنفيذه، وذلك حسبما جاء في وثائق الخارجية البريطانية، التي أميط عنها اللثام عام 1985. ففي شهر كانون الثاني (يناير) من عام 1955، كما تقول الوثائق المذكورة، أعدت وزارة الخارجية البريطانية تقريرا مفصلا عن مشكلة اللاجئين، حمله مديرها العام في ذلك الوقت "شكبرج" لدى زيارته لواشنطن لمناقشته مع مسؤولي الإدارة الأمريكية. ومن جملة الأمور، التي تضمنها التقرير بحث إمكانات توطين اللاجئين في العراق، التي أولتها الدوائر البريطانية، في حينه، اهتماما خاصا، وتعاونت في هذا المجال مع سفارتها في بغداد، وقسم التطوير في المكتب البريطاني الذي مقره بيروت، وبقية السفارات البريطانية في المنطقة. وفي ضوء الدراسات والتقارير، التي جرى تبادلها بين هذه الأطراف، انبثقت اقتراحات عدة "بشأن استيعاب العراق لمزيد من اللاجئين الفلسطينيين وتوطينهم". (كان متوقعا في مدى عشرين عاما أن يوافق العراق على استيعاب نحو مليون لاجئ فلسطيني) وذلك كما جاء في الوثيقة (115625/371-F)(14).

مشروع أنطوني ايدن: أعلن رئيس الوزراء البريطاني، آنذاك، أنطوني ايدن، بتاريخ 9/11/1955 عن استعداد بلاده، بمساعدة دول أخرى، لتقديم الضمانات الرسمية اللازمة إلى إسرائيل والدول العربية، إذا ما تم التوصل إلى اتفاق هدفه موضوع الحدود بين الطرفين.

وقد ارتكز هذا المشروع على النقطتين الآتيتين:

1- على الجانبين العربي والإسرائيلي أن يقدما تنازلات متبادلة.

2- السعي إلى الاتفاق على صيغة تسوية بين الموقف العربي، الذي يطالب بالعودة إلى حدود التقسيم عام 1974، والموقف الإسرائيلي، الذي يتمسك بخطوط الهدنة، كخطوط دائمة.

وقد رفضت إسرائيل هذا المشروع، لأنه يشير إلى أحد قرارات الأمم المتحدة(15).

مشروع اليرموك في الأردن: وقد كان مخططا له أن يستوعب ويعيد توطين 150 ألف لاجئ، إلا أن هذا المشروع توقف بسبب عدم الاتفاق على مشروع جونستون لتقاسم مياه نهر اليرموك بين الأردن وإسرائيل. وهناك مشاريع متنوعة في الأردن -حسب تقرير الخارجية البريطانية– كان من المقرر لها أن تستوعب عشرة آلاف نسمة(16).

مشروع ري سيناء في مصر: اقترح المشروع سنة 1951، وقد خطط له أن يستوعب عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين، إلا أن هذا المشروع كان "بحاجة إلى المزيد من الدراسات" كما ورد في تقرير الخارجية البريطانية، وأوصى بنقل مياه نهر النيل إلى الصحراء لتمكين عدد محدود من عائلات اللاجئين الفقيرة في غزة من العمل في الزراعة هناك.

وقد وافقت الحكومة المصرية في حينه، حسب التقرير، على استقبال 7000 فلسطيني لأغراض التوطين. وفي سنة 1953 وقعت الحكومة ووكالة الغوث اتفاقا يقضي بتوفير 230 ألف فدان  من الأراضي الصحراوية بقصد إجراء التجارب، وكان من المفترض اختيار 50 ألف فدان منها للتنمية الزراعية. وقدر الخبراء أن في إمكان مساحة الأرض تلك أن تعيل 50 إلى70 ألف لاجئ(17).

وقد عارض أهالي غزة بشدة أية فكرة لتوطين دائم خارج فلسطين، واندلعت التظاهرات ضد هذا المشروع في غزة في 25 شباط (فبراير) 1955 واستمرت ثلاثة أيام. وأتت حرب السويس سنة 1956 لتقضى على هذا المشروع نهائيا (18).

خطط ومشاريع متنوعة في سورية: خطط لسورية أن تستوعب وتعيد توطين 85 ألف لاجئ. إلا أنه لم تظهر أية نتائج في حينه. ومع ذلك –يقول تقرير الخارجية البريطانية- تم استيعاب 4500 لاجئ في شكل دائم، في الفترة بين حزيران (يونيو) 1953 وحزيران (يونيو) 1954(19).

مشروع إيران: قضى هذا المشروع بتوطين عدة آلاف من اللاجئين الفلسطينيين في إيران واستيعابهم ضمن خطة سباعية للتنمية والتطوير تشمل إعادة إعمار المناطق غير المأهولة في جنوب (إيران) وفي الجنوب الغربي، وإسكان عدد من اللاجئين الفلسطينيين في هذه المناطق. وقد أبدى شاه إيران محمد رضا وشقيقه محمود اهتماما بالمشروع، شرط أن يتم في البداية في صورة سرية وغير رسمية، وأن يتم اختيار اللاجئين من أصحاب رؤوس الأموال. وقد تولى عن الجانب البريطاني بحث هذا المشروع مع المسؤولين الإيرانيين، عضو البرلمان هوج فريسر، "الذي كان يعتقد أن إيران على استعداد لاستيعاب بضع مئات من اللاجئين الفلسطينيين في صورة فورية، وأن إيران ستكون مستعدة لاستيعاب آلاف اللاجئين على المدى البعيد"(20).

وقد بعثت السفارة البريطانية في إيران بتاريخ 20/10/1955 رسالة إلى الدائرة الشرقية في الخارجية البريطانية تطلعها فيها على مباحثات فريسر مع المسؤولين الإيرانيين بهذا الخصوص.

وذكرت السفارة في رسالتها أن الشاه كان مع الفكرة بعد أن أجرى استطلاعا واسعا للآراء بشأنه، ورأى أن مثل هذا المشروع سيساهم في حل المشكلة العربية – الإسرائيلية، وبأنه قابل للتحقيق، وهذا ما شجع "فريسر" على متابعة الموضوع مع الحكومة البريطانية بعد عودته إلى لندن"(21).

"تعاون الأونروا" مع مشاريع التوطين البريطانية:

لتجسيد مشاريع التوطين على أرض الواقع شجعت الحكومة البريطانية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) على منح قروض فردية للاجئين، وعلى تمويل مشاريع زراعية أو صناعية في بعض الدول المضيفة للاجئين، لتساهم مثل هذه المشاريع في توطينهم في هذه الدول. وحاولت إقناع "الأونروا" استثمار أموالها في مشاريع محلية في الدول المضيفة، وذلك من أجل استخدام الأرباح الناجمة عن هذه المشاريع، في دعم برامج التوطين. ومن ضمن الاقتراحات التي طرحت استثمار الأموال في شركة الفوسفات الأردنية، وخصوصا في قطاع المواصلات. وقد أرسل قسم التطوير في المكتب البريطاني في الشرق الأوسط في بيروت رسالة بتاريخ 3/1/1955 إلى السفارة البريطانية في عمان يقترح فيها موضوع الاستثمار في شركة الفوسفات. وقد أجابت السفارة على هذا الاقتراح برسالة جوابية بتاريخ 20/1/1955 جاء فيها: "نوافقكم الرأي باستثمار أموال "الأونروا" في صناعة الفوسفات في الأردن، وخصوصا في مجال المواصلات(...) والمسألة التي نفكر فيها هي أن أموال المساعدات من "الأونروا" يمكن استخدامها لتكملة أي تمويل يمكن أن يأتي من البنك الدولي".(22)

وعلقت السفارة على اقتراح ورد في شأن استثمار الأموال في خط سكة الحديد في الأردن بقولها: "إن ذلك سيكون مكلفا، وفي هذه الحالة يجب التفكير في استثمار الأموال في الطريق الصحراوي، بديلاً عن المشروع الأول"(23). وفي شأن تطوير ميناء العقبة، أرسل قسم التطوير في المكتب البريطاني في الشرق الأوسط في بيروت رسالة بتاريخ 3/10/5195 إلى السفارة البريطانية في عمان جاء فيها: "إن هدفنا من اقتراح تطوير ميناء العقبة هو إيجاد فرص عمل للاجئين الفلسطينيين(...) أننا نحترم في شكل كامل أهمية المصالح العسكرية في المنطقة، ولذلك لن نضغط على "الأونروا" مرة أخرى من أجل استثمار أموالها في الميناء، علما بأنهم لن يوافقوا على ذلك دون ضغط كبير عليهم(...) إضافة إلى ذلك هناك فرص عمل كبيرة لإيجاد عمل للاجئين في الميناء والمناجم وخط سكة الحديد وفي إنشاء الطريق الصحراوي"(24).

مشاريع التوطين الأمريكية:

بدورها طرحت الولايات الأمريكية مشاريع توطين عديدة، انسجاما مع رؤيتها وسياستها الخاصة، بقضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة، وكان أبرزها:

مشروع جونستون 1953- 1955: طرح جونستون، المندوب الشخصي للرئيس أيزنهاور، مشروعا للإنماء الموحد للمصادر المائية في وادي الأردن دون النظر للحدود السياسية القائمة.  ولم ينجح هذا المشروع نظرا لمعارضته من قبل الفلسطينيين(25).

مشروع دالاس 1955:  يعتبر هذا المشروع استمرارا للخط الرسمي الأمريكي القائم على السعي لإيجاد حل لمسألة الشرق الأوسط، من خلال تجاهل جوهر الصراع العربي-الإسرائيلي، أي القضية الفلسطينية التي يتم تقسيمها، وتجزئتها إلى عدد من القضايا الثانوية، مثل مشكلة التنمية المائية، وتوطين اللاجئين، وتأمين القروض المالية، ورسم الحدود، ومعاهدات الصلح بين العرب وإسرائيل.

وظهر مشروع دالاس، بعد قيام وزير الخارجية الأمريكي جون  فوستر دلاس بجولة في المنطقة يدعو فيها الحكومات العربية للانضمام إلى حلف بغداد. وبعد عودته إلى واشنطن ألقى كلمة أمام الكونغرس الأمريكي بتاريخ 26/8/1955 تضمنت مشروعا أمريكيا لحل أزمة الشرق الأوسط ]بما فيها مشكلة اللاجئين الفلسطينيين[(26).

مشروع جونسون 1962: كلفت الحكومة الأمريكية في أواسط آب (أغسطس) 1961، الدكتور جوزيف جونسون، رئيس مؤسسة "كارنجي" للسلام العالمي للقيام بدراسة جديدة عن مشكلة اللاجئين. وفي تاريخ 2/10/1962، اقترح جونسون مشروع حل تضمن الآتي:

{C}1-      {C}يعطى كل رب أسرة من اللاجئين فرصة الاختيار الحر، وبمعزل عن أي ضغط من أي مصدر، بين العودة الى فلسطين أو التعويض.

{C}2-      {C}ينبغي أن يكون كل لاجئ على علم تام بالأمور الآتية:

{C}أ‌-        {C}بطبيعة الفرصة المتاحة له للاندماج في حياة المجتمع الإسرائيلي إذا هو اختار العودة.

{C}ب‌-    {C}كمية أو قيمة التعويضات التي يتلقاها، كبديل إذا هو اختار البقاء حيث هو يقيم.

{C}3-      {C}يتم حساب التعويضات على أساس الممتلكات، كما كانت عامي 1947 و1948، مضافاً إليها الفوائد المستحقة.

{C}4-      {C}تقوم الولايات المتحدة وغيرها من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بما فيها إسرائيل، بالإسهام في توفير الأموال اللازمة لدفع التعويضات.

{C}5-      {C}من حق إسرائيل أن تجري كشفاً أمنياً عن كل لاجئ يختار العودة إلى أرضه.

{C}6-      {C}يستفيد اللاجئون الذين لم يكن لهم ممتلكات في فلسطين من تعويض مالي مقطوع لمساعدتهم على الاندماج في المجتمعات، التي يختارون التوطين فيها.

{C}7-      {C}يحق لكل حكومة الانسحاب من هذا المشروع، إذا اعتبرت فيه تهديداً لمصالحها الحيوية.

{C}8-      {C}يتم تطبيق المشروع بصورة تدريجية.. كما أن التخلي عنه في منتصف الطريق لن يترك اللاجئين في وضع أسوأ مما كانوا عليه قبل الشروع في تنفيذه(27). 

مشروع الحبيب بورقيبة: وهو المشروع العربي الوحيد، الذي تضمن اقتراحاً عملياً لحل مشكلة اللاجئين، في حين كان الزعماء العرب في حينها يطالبون "بتحرير" فلسطين كاملة. وقد تقدم الرئيس التونسي بهذا المشروع بتاريخ 21/4/1965، وهدف إلى تسوية الصراع العربي–الإسرائيلي، على أساس قرار التقسيم (181) الصادر عن الأمم المتحدة في العام 1947، وتضمن النقاط الآتية:

{C}1-    {C}تعيد إسرائيل إلى العرب ثلث المساحة التي احتلتها منذ إنشائها لتُنشأ عليها دولة عربية فلسطينية.

{C}2-    {C}يعود اللاجئون الفلسطينيون إلى دولتهم الجديدة.

{C}3-    {C}تتم المصالحة بين العرب وإسرائيل حال انتهاء الحرب بينهما(28).

وقد رفضت منظمة التحرير الفلسطينية، في حينها هذا المشروع ونددت به، وخونت من اقترحه.

مشاريع التوطين الإسرائيلية:

دأبت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، منذ إنشاء الدولة العبرية العام 1948، وما زالت، على اقتراح مشاريع مختلفة لتوطين اللاجئين الفلسطينيين خارج حدودها، بمساعدة من البنك الدولي، وبنوك خاصة بريطانية وأمريكية. وقد تزامنت هذه الاقتراحات مع بعض مشاريع التوطين البريطانية، والأمريكية سالفة الذكر. ويمكن تعداد  أبرز هذه المشاريع وفق الآتي:

مشروع أشكول: رداً على مقترحات الرئيس التونسي بورقيبة، السالفة الذكر، قدّم ليفي أشكول، رئيس وزراء إسرائيل السابق، بتاريخ 17/5/1965 مشروعاً، انطلق من التزامين:

{C}1-    {C}الواجب العام الذي تخضع له جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة هو العيش بسلام.

{C}2-    {C}الالتزام باتفاقات الهدنة، التي تنص من جملة ما نصت عليه، على "أن الهدنة هي مرحلة انتقالية نحو السلام العادل".

ونص المشروع على الآتي:

{C}1-     {C}إجراء مفاوضات مباشرة واستبدال اتفاقات الهدنة باتفاقية سلام.

{C}2-     {C}تتم التسوية على أساس وضع إسرائيل القائم، باستثناء بعض التعديلات الطفيفة –المتبادلة والمتفق عليها- عند نقاط معينة على الحدود.

وفي العام نفسه عرض أشكول مشروعاً أمام الكنيست جاء فيه:

{C}1-     {C}يتم توجيه جزء من الموارد الضخمة للمنطقة باتجاه إعادة توطين اللاجئين ودمجهم في بيئتهم الوطنية الطبيعية (الدول العربية).

{C}2-     {C}استعداد إسرائيل للمساهمة المالية، مع الدول الكبرى، في عملية توطين اللاجئين باعتبارها الحل المناسب لهم ولإسرائيل(29).

مشروع الأرجنتين: خلال فترة الخمسينات عمل رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بن غوريون، ووزير الخارجية موشيه شيريت، ويوسف فايتس، مدير دائرة الأراضي في الصندوق القومي اليهودي، على مناقشة وإقرار ترحيل الفلسطينيين العرب المسيحيين من الجليل إلى أمريكا الجنوبية. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1950 أرسل يوسف فايتس إلى الأرجنتين من أجل مشروع الترحيل هذا. وعن هذه المرحلة ذكر فايتس في يومياته: "يبدو أن مساعي رحلتي بدأت تتبلور، وذلك من خلال الجولات التي أقوم بها الآن لمناطق الريف (الأرجنتيني) القابلة لاستيعاب العرب. ومن بين هذه المناطق بقعة شاسعة من الأرض مساحتها 600 ألف دونم، تابعة لمالك يهودي مستعد لوضعها تحت تصرفنا متى شئنا من أجل تنفيذ خطتنا، وهو لن يطلب منا دفع أكثر من مائة ليرة إسرائيلية ثمنا للدونم الواحد، وبنقودنا نحن"(30).

وقد فشل هذا المشروع لأن فايتس أخفق في إقناع المعنيين بالهجرة إلى ذلك البلد.

مشروع سورية: ذكر الباحث الإسرائيلي، ايتمار ربينوفيتش، أن الرئيس السوري السابق حسني الزعيم، أبدى استعداده عام 1948 لتوطين 300 ألف لاجئ فلسطيني في شمال شرق سورية. ومن أجل ذلك جرت مباحثات بينه وبين إسرائيل، بوساطة أمريكية، إلا أن تلك المباحثات تعطلت(31). (لم يشر الباحث إلى الأسباب التي أدت إلى تعطلها).

مشروع ليبيا: في أواسط الخمسينات وضعت السلطات الإسرائيلية خطة ترحيل هدفت إلى توطين اللاجئين الفلسطينيين في ليبيا. وقد نوقشت الخطة في اجتماعات غير رسمية للجنة رفيعة المستوى شارك فيها بن غوريون، وموشيه شاريت، وليفي أشكول، وغولدا مئير، وتيدي كوليك (رئيس بلدية القدس السابق)، ويوسف فايتس، وعزرا دانين ويعقوب بالمون، وقد حلت هذه اللجنة بعد أزمة السويس 1956(32).

وقد عثر أخيراً في الأرشيف الإسرائيلي على وثيقة رسمية تشير إلا أنّ اتفاقا تم بين الحكومة الإسرائيلية والحكومية الليبية، في عهد الملك السنوسي، على إنشاء قرى زراعية في ليبيا لتوطين اللاجئين الفلسطينيين فيها.(33) وقد أكد هذه "الحقيقة" الباحث الإسرائيلي "روبن هتسور" في مقابلة صحفية أجريت معه قال فيها: "أن مساحة الأراضي الليبية التي تم ابتياعها مسجلة باسمنا حتى اليوم"(34).

مشروع التوطين "الطوعي": بعد أسبوعين من انتهاء حرب 1967، انعقد مجلس الوزراء الإسرائيلي، الذي كان يقوده حزب العمل، في جلسة سرية للنظر في "المشكلة السكانية للأراضي العربية المحتلة". وقد ورد في الملاحظات، التي سجلها في تلك الجلسة المدير العام لمكتب رئيس الحكومة، يعقوب هرتسوغ، شقيق رئيس دولة إسرائيل السابق المتوفى، حاييم هرتسوغ، أن وزير المال بنحاس سابير، في ذلك الوقت، يدعمه وزير الخارجية آبا أيبان دعا إلى توطين اللاجئين في البلاد العربية المجاورة، ولا سيما سوريا والعراق. أما يغال آلون، نائب رئيس الوزراء، فقد اقترح أن ينقل اللاجئون الفلسطينيون إلى صحراء سيناء، وأن يعمل على إقناع الفلسطينيين بالرحيل إلى الخارج: "نحن لا نعمل ما يكفي لتشجيع العرب على الهجرة" على حد قول آلون. أما مناحم بيغن، الذي كان يومها وزيرا بلا حقيبة، فقد اقترح تعويض سكان مخيمات اللاجئين وترحيلهم إلى سيناء.

ونتيجة لهذه المناقشات شكل رئيس الحكومة الإسرائيلية، ووزير الدفاع والجيش، وحدة سرية مهمتها "تشجيع" العرب على الرحيل. وقد برزت هذه الخطة إلى العلن في تشرين الثاني (نوفمبر) 1987. وقد كان لهذه "المنظمة" (الوحدة السرية) مركز عمليات في شارع عمر المختار في غزة، وكانت تقدم لـ"المرحلين" تذكرة سفر بلا عودة إلى دول مختلفة في أمريكا الجنوبية ولا سيما إلى باراغواي، بواسطة وكالة سفر مقرها تل أبيب، وكانت تعدهم بمساعدة مالية وبمعاونة على الاستقرار بعد أن يصلوا، وهو وعد لم تف به. وقد استمرت هذه الخطة نحو ثلاثة أعوام ثم انهارت جراء حادث مفاجئ. ذلك بأن أحد "المرحلين"واسمه طلال ابن ديماسي، كان وعد بالمعونة المالية، إلا أنه لم يتلق منها شيئا، فذهب من يأسه إلى القنصلية الإسرائيلية في باراغواي في 4 أيار (مايو) 1970، وطلب مقابلة السفير، فلما رفض طلبه أردى سكرتير السفير بطلق ناري. وفي رواية الصحافيين الإسرائيليين، يوسي فيلمان ودان رفيف، تمكنت الوحدة السرية من ترحيل ألف فلسطيني سرا(35).

مشروع أبا إيبان: (وزير خارجية إسرائيل الأسبق) وقد عرض مشروعه أمام الأمم المتحدة وطالب فيه بعقد مؤتمر لدول الشرق الأوسط، والحكومات التي تساهم في إغاثة اللاجئين والوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة، لوضع خطة لحل مشكلة اللاجئين، والعمل على دمجهم في حياة منتجة وإيجاد كيان مشترك لإعادة توطينهم في الشرق الأوسط بمساعدة إقليمية دولية.(36).

مشروع لجنة برونو: نسبة إلى البروفيسور ميخائيل برونو، صاحب فكرة المشروع الذي وضعه على مرحلتين: أولاهما يتم في أوائل العام 1968، والثانية في أواخر العام 1969. ويتضمن حلا لقضية اللاجئين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومنها تحرير التجارة بين الضفة وغزة وإسرائيل، مع إفراغ المخيمات تدريجيا من سكانها عن طريق منح حوافز اقتصادية لهم، وبناء مساكن وإقامة تنمية زراعية وصناعية بتمويل دولي(37).

مقترحات النائب الإسرائيلي رؤوفين ادري: (وهو من حزب المبام قبل أن يشكل هو وأحزاب أخرى حزب العمل) التي تقدم بها العام 1970، وأشار فيها إلى ضرورة تصفية مخيمات اللاجئين ونقل سكانها إلى مساكن في المدن والقرى القريبة من مراكز الصناعة والعمل. واعتبر أن هذا الحل سيحول المشكلة تدريجيا إلى مشكلة يتعلق حلها بعملية التطوير الاقتصادي ومجال التشغيل (38).

رؤية ناحوم جولدمان: وهو أحد مؤسسي المؤتمر اليهودي العالمي العام 1970. ورؤيته هذه مبنية على توطين اللاجئين في الضفتين الشرقية والغربية لنهر الأردن وضم قطاع غزة لإسرائيل(39).

خطة الحكومة الإسرائيلية للعام 1971: طرحت الحكومة الإسرائيلية العام 1971 خطة لإعادة توطين سكان المخيمات في قطاع غزة. وتعتمد هذه الخطة في جوهرها على بناء أماكن سكنية جديدة في محيط مخيمات قطاع غزة. وتَزعّم هذه الخطة أرئيل شارون، قائد ما يسمى المنطقة الجنوبية آنذاك (قبل أن يصبح رئيس وزراء سابقاً) وأصدر أوامره للجيش الإسرائيلي بتنفيذ هذه الخطة، وذلك بهدم أجزاء كبيرة من مخيمات قطاع غزة وترحيل أعداد كبيرة من ساكنيها، إلى سبعة مشاريع إسكانية جديدة تقام في القطاع من أجل هذه الغاية.

ومما يجدر ذكره في هذا الصدد أن شمعون بيريس (رئيس دولة إسرائيل الحالي) لم يكن بعيدا عن هذه الخطة، وتبلور رأيه في أن اللاجئين الموجودين خارج فلسطين عليهم الاستقرار نهائيا حيث يقيمون. أما لاجئو غزة والضفة فلا بد من مساعدتهم للاستيطان هناك. ومن هذا المنطلق أشرف بيريس بنفسه على ما سمي "صندوق الأمانة للتطوير العام وتوطين اللاجئين"(40).

مشروع حزب العمل للسلام: طرح حزب العمل مشروعه في آب (أغسطس) 1972، وقد ركز على مشكلة اللاجئين، وتوطينهم بمساعدة صناديق دولية، ونادى بضرورة التعاون مع الدول العربية، التي سيتم توطين اللاجئين فيها، والعمل على الإلغاء التدريجي للمخيمات، أو تغيير طبيعتها، وتحويلها إلى أماكن قروية وبلدية عادية، أو عن طريق توطين سكانها في أماكن السكن القريبة القائمة في المدن، ويتم ذلك من خلال تنمية مشاريع زراعية وورش صناعية في الضفة الغربية، وذلك لضمان استيعاب اللاجئين فيها.(41)

مشروع دون زوكين: (وهو عضو كنيست عن حزب المبام 1972)، وقد اقترح فيه تفريغا  تدريجيا للمخيمات في الضفة الغربية وقطاع غزة، عن طريق عرض حوافز اقتصادية لسكانها، كتقديم مساكن بسعر رمزي، في مناطق بلدية قريبة من أماكن التشغيل الجديدة، التي يتم إنشاؤها وتحسين الخدمات العامة في المدن القريبة من المخيمات، حتى تعتمد المخيمات عليها في التعليم والشؤون الاجتماعية والصحية وتنمية قطاع الصناعة، وتأهيل اللاجئين على المدى البعيد، وخصوصا في مجال التشغيل الكثيف محلي الطابع، كالنسيج، والملابس، والأغذية، وتعليب الفاكهة، مع تقليل الفوار

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website