أوجه التشابه والاختلاف بين قضيتي فلسطين وجنوب إفريقيا - دراسة مقارنة - عبد الغني سلامة - عدد249 - 250

أوجه التشابه والاختلاف بين قضيتي فلسطين وجنوب إفريقيا- دراسة مقارنة-عبد الغني سلامة

تكتسب المقارنة بين حالتي الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ونظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا أهمية خاصة، وقد ازدادت أهميتها أكثر بعد انهيار النظام وخروج الحزب الوطني من الحكم في جنوب إفريقيا أواسط التسعينات من القرن الماضي؛ وهناك هدفين من إجراء هذه المقارنة: الأول الوصول إلى فهم أعمق لطبيعة النظام الإسرائيلي، من خلال كشف عنصريته بالمقارنة بنظام الأبارتهايد السيئ السمعة في جنوب أفريقيا والذي تمت إدانته عالميا، فإذا كان نظام الأبارتهايد الإفريقي قد انتهى وطوى العالم صفحته، فإن الأبارتهايد الإسرائيلي ما زال قائماً أمامنا. والثاني: تجديد الأمل في نفوس المناضلين ضد الظلم والاحتلال، من خلال التعرّف على تجربة المؤتمر الوطني الإفريقي في مناهضة نظام الأبارتهايد، ومعرفة المصير الذي انتهى إليه هذا النظام. واستخلاص العِبَر من هذه التجربة المهمة والغنية والملهمة. 

على أن نكون واضحين ودقيقين في إجراء المقارنات، وفهم العلاقة بين القضيتين، من خلال دراستهما عند ثلاث مستويات: الأول تشخيص أوجه التشابه والاختلاف بين القضيتين من خلال فهم الفرق بين استعمار جنوب أفريقيا واستعمار فلسطين، وتحديد أسس وركائز الصراع في الحالتين، وطبيعة وخصائص كل قضية وأبعادها المـحلية والدولية. الثاني: مقارنة وسائل النضال الوطني الفلسطيني وشعاراته وخطابه السياسي بنظيره الجنوب إفريقي. الثالث: الإجابة على السؤال المهم: هل تعتبر إسرائيل دولة أبارتهايد؟ وإذا كانت كذلك، هل الأبارتهايد الإسرائيلي يشـبه أبارتهايد جنوب أفريقيا، أم هو أســوأ منـه؟ والإجابة الموضوعية تقتضي عدم اللجوء إلى استخدام الشعارات والجمل الجاهزة التي تدين النظامين دون أدلة موضوعية.

إذا كانت الخيارات السياسية والأيديولوجية لكل من جنوب إفريقيا وإسرائيل كمشروعين استعماريّين لا يشبهان بعضهما البعض من بعيد؛ إلا أن وقائع وممارسات النظامين تؤكد أن مشهد الأبارتهايد يتكرّر في الحالتين، وأحيانا كان كل طرف يحاول أن ينسخ صورة الطرف الثاني. لذلك كان الإعجاب متبادلا بينهما، وقد نشأت بين البلدين علاقات متميزة ومتطورة وصلت حد الاعتراف الإسرائيلي بنظام البانتوستونات؛ فقد كانت إسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي اعترفت بنظام البانتوستونات في جنوب إفريقيا، وتبادلت التمثيل الدبلوماسي مع البانتوستان المسمى آنذاك بوفوتانسوانا، وافتتحت له سفارة في تل أبيب.[1]

التشابه والاختلاف في جوهر وشكل القضيّتين

بالنظرة الأولى للتجربتين الاستعماريتين في جنوب إفريقيا وفلسطين؛ نجد أوجهاً عديدة من التشابه؛ فكما ادّعى "جان ريبيك" -وهو أول مستوطن تطأ قدماه أرض جنوب إفريقيا- بأنه اكتشف أرضاً خالية من السكان، ادّعت الحركة الصهيونية أنّ فلسطين أرض بلا شعب. وكما ادّعت الكنيسة الهولندية بأنّ البيض المستعمِرين هم شعب الله المختار، وأن السود خُلقوا عبيدا لهم؛ ادّعت الصهيونية بأنّ اليهود هم شعب الله المختار، وأن باقي البشر ما هم إلا أغيار. الغزاة الهولنديون أطلقوا على جنوب إفريقيا اسم "معسكر الأمل الجميل"، والمستوطنون اليهود الأوائل أطلقوا على فلسطين نشيد الأمل "هتكفا". وفي الحالتين نجد تشابها ليس في الخدع والأكاذيب لتبرير سلوكهم وسياساتهم وحسب، بل حتى في سياقات التاريخ الاستعماري؛ فقد تشابهت مجريات الأحداث في البلدين على نحو لافت؛ إذْ تعرّضت كلّ من جنوب إفريقيا وفلسطين لغزو استعماري أجنبي (بريطانيا)، نتجَ عنه نظامان عنصريان، قاما على بناء سياسي أيديولوجي يزعم التحضّر والتفوّق، ويؤسّس للفصل بين الغزاة والسكان الأصليين. وقد أضاف هذا الفصل العنصري شبَهَاً إضافيا بين الحالتين؛ إذْ شكَّلَ معضلة وجودية للنظامين العنصريين، وأزمة تاريخية استعصى عليهما حلها؛ وعنوانها: الحضور التاريخي للشعب صاحب البلاد، وحتمية الاعتراف بحقيقة وجوده، وبحقوقه الطبيعية والسياسية.

وقد شكّل العام 1948 لحظة تاريخية فاصلة في التاريخ الاستعماري للبلدين؛ سيسهّل علينا إجراء المقارنات الزمنية بينهما؛ فهو العام الذي أُقيم فيه الكيان الإسرائيلي، وعلى أثر ذلك حلت بالشعب الفلسطيني نكبة ما زالت مستمرة، وهو نفس العام الذي استلم فيه الحزب الوطني دفّـة الحكم في جنوب إفريقيا، والذي تحولّت بعده ممارسات الفصل العنصري إلى سياسة رسمية معلنة للدولة. فإذا قامت إسرائيل باحتلال الأرض، وبطرد من تمكّنت من طرده من السكان، وتحويلهم إلى لاجئين في الدول المجاورة، ثم عمدت إلى إبقاء من تبقّى في تجمّعات عربية محدودة المساحة ومعزولة قدر الإمكان عن الوسط اليهودي؛ فإنّ النظام العنصري في جنوب إفريقيا لم يكن أمامه من حلول وخيارات غير تجزئة البلاد إلى مناطق بيضاء وأخرى سوداء، ونفي المواطنين السود من أراضيهم، وعزلهم في بانتوستونات خاصة بهم، تراوحت مساحتها من 7 ~ 13% من مجمل البلاد، مع فرض إجراءات تقييدية على السود؛ لتحقيق تفوّق الأقلية البيضاء، وضمان أمنها، وإرساء نظام الفصل العنصري. وفي الحالتين تمّ اقتراف العديد من المذابح ضدّ السكان، وتم تطبيق النظام بواسطة أجهزة أمنية في منتهى القسوة؛ كان للسجون والتعذيب دور هام ورئيسي في فرضه.

والغريب أنّ دولة البيض في جنوب إفريقيا كانت تدّعي أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في القارة الإفريقية، تماما كما تدّعي إسرائيل بأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، رغم كلّ ما تمارسانه من تمييز عنصري واضح ضد الشعب، ورغم كل جرائمهما ضد السكان. ومع ذلك لا بد من الإقرار بأن البلدين كانا يقومان على مؤسسات حديثة، تتمتع بنظام قضائي قوي، وفصل بين السلطات، وقد مارسا نظاماً ديمقراطياً فريداً من نوعه؛ إذا أنّ ديمقراطيتهما كانت مخصصة لفئة معينة من السكان، يمكن وصفها بالديمقراطية العنصرية. ومع ذلك فإن هذا الشكل (المشوَّه) من الديمقراطية ضَمِنَ للفئات المسيطرة استقراراً في الحكم، وتداولاً سلمياً للسلطة، وحرية التعبير والمشاركة السياسية ومحاصرة الفساد (خاص بالفئة المسيطرة وحكرا لها).. في حين كانت الدول المجاورة تشهد الاضطرابات والانقلابات العسكرية وقمع جميع السكان وأسوأ أشكال الفساد المالي والإداري.

في مواجهة تلك الأوجه العديدة من التشابه بين النظامين (الإسرائيلي والعنصري في جنوب إفريقيا)؛ فإن هناك أوجهاً عديدة أيضا من الاختلاف؛ فمن حيث المبدأ، الغرض من الاحتلال العسكري الإسرائيلي يختلف عن الغرض من الفصل العنصري؛ فقد كان الأبارتهايد في جنوب إفريقيا، نظاما يقوم على أساس التمييز العنصري، ويرتكز عليه، أي أن النظام أنشأ مؤسساته وشكّلها لهذه الغاية؛ حيث استخدمت الأقلية البيضاء القوة للحفاظ على السلطة، والسيطرة على الأغلبية السوداء. بينما أقيم الكيان الإسرائيلي لغايات مختلفة، وفي سياقات تاريخية مختلفة، وحتى لو مارست إسرائيل العنصرية، إلا أن شكل مؤسساتها لا يقوم على العنصرية بنفس الوضوح الذي كنا نراه في جنوب أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، فقد جاءت دولة البيض في جنوب إفريقيا في سياق التنافس على المستعمرات الخارجية بين الدول الأوروبية، كان أول من تنبه إليها هم الهولنديون، ثم تبعهم البريطانيون في مرحلة لاحقة في إطار صراعهم مع الفرنسيين؛ فتنبهوا لهذه الدولة لوقوعها على خط التجارة الدولية، على الطريق نحو المستعمرات الآسيوية، لكن أهميتها الإستراتيجية تضاءلت بعد شق قناة السويس، وصارت أشبه بمشروع استعماري محلي مستقل، لطبقة من البرجوازية الأوروبية الطامعة، ولحفنة من المغامرين والهاربين من بلدانهم، والذين ظلوا على صلات تجارية قوية مع دول المركز في أوروبا.

بينما جاءت إسرائيل في سياق مشروع أوروبا الاستعماري، الذي تبلور في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لتكون أداة لها، وموقعا متقدما يحمي مصالحها في واحدة من أهم المناطق في العالم، ثم وفي مرحلة لاحقة وعلى إثر تغيرات جذرية في بنية النظام العالمي حوّلت إسرائيل ولاءها وتبعيتها للولايات المتحدة الأمريكية. بمعنى أن إسرائيل كانت وما زالت تمثل مشروعا حيويا للحضارة الغربية، ما زال يستمد أسباب قوته، ومبررات وجوده من خلال العلاقات المتميزة بدول الغرب، ومن خلال دوره الوظيفي.

لذلك، لم يجد المجتمع الدولي صعوبة كبيرة في تخلّيه عن دولة البيض في جنوب إفريقيا، ونزع الشرعية عنها، بعد أن كان قد عزلها وفرض عليها عقوبات تجارية، خاصة بعد أن اشتد الصراع هناك، في مرحلة كان العالم يشهد فيها تحوّلات إقليمية ودولية كبيرة وعميقة. في حين أنه بسبب الخصوصية الدولية للقضية الفلسطينية، وأهمية إسرائيل الفائقة بالنسبة للغرب؛ لم يكن من السهل أبداً تقبّل فكرة نزع الشرعية عنها، أو عزلها، أو فرض عقوبات عليها، وظلَّ المجتمع الدولي يكيل بمكيالين ويتعامل بمعيار مزدوج معها، ويغُض الطرف عن ممارساتها وجرائمها وتجاوزاتها للقانون الدولي. فإذا كان في الحالة الإسرائيلية ثمة دولة منحازة بالكامل وبكل قوة لصالحها، وهي طبعا الولايات المتحدة، فإنه في حالة جنوب إفريقيا لم تكن تلك الدولة موجودة.

 ربّما ساعد إسرائيل في ذلك، أنها كانت أكثر ذكاء وحنكة وبُعد نظر من الحزب الوطني في جنوب إفريقيا؛ ففي البداية قدّمت إسرائيل نفسها على أنها "الدولة الضحية"؛ ضحية الكارثة والنازية، وضحية الدول العربية التي تتربص بها وتريد إلقاءها في البحر، لذلك حظيت بقبول العالم، واعترافه بها، وهي إن كانت تمارس العنصرية والتمييز بين سكانها، إلا أنها لا تعلن عن ذلك صراحة، وتموّه على ممارساتها بالحيل الإعلامية، بينما تبنّى الحزب الوطني الحاكم العنصرية سياسة علنية رسمية للدولة، ومارسها بأكثر أشكالها بشاعة وفظاعة، لذلك لم تحظ جنوب إفريقيا بدعم العالم وتعاطفه معها، بل كانت تسهّل المهمة على المناضلين الإفريقيين لفتح جبهة دولية مضادة لها.[2]

ومن ناحية ثانية، فقد كان الحديث عن جنوب إفريقيا يدور حول تغيير شكل الحكم، وإسقاط حكومة، بينما في الحالة الفلسطينية الحديث يدور عن تغيير حدود سياسية في الحد الأدنى، قد يؤدي ذلك إلى تغير المشهد السياسي بالكامل. [3]

في القضية الفلسطينية كان للصراع أبعاد قومية ودينية وادعاءات تاريخية من قِبَل الجانبين، أما في قضية جنوب إفريقيا فقد كان للصراع أبعاد عرقية وإثنية، ولكن دون خلافات على رواية تاريخية لملكية الأرض؛ فقد كان كلٌ من السود والبيض -رغم اختلاف ألوانهم- يعرّفون أنفسهم بأنهم إفريقيون جنوبيون، وكان أغلبهم من نفس الديانة (المسيحية). أما الواقع في فلسطين فهو مختلف تماما؛ فالفلسطينيون والإسرائيليون -رغم تشابه ألوانهم- شعبان مختلفان، من أصول مختلفة، وينتميان لحضارتين متباينتين، لكل منهما دين مختلف، وتطلعات وطموحات مختلفة. [4]

في جنوب إفريقيا حاولت السلطة الحاكمة توظيف الدين لفرض سيطرتها على المجتمع، وإضفاء مشروعية دينية على نظامها العنصري، وأقنعت جمهورها بأن الممارسات العنصرية تمثل وصايا الرب، حتى صارت جزءاً من تعاليم الكنيسة الهولندية، ومع ذلك لم يلعب الدين دوراً محورياً في الصراع بين البيض والسود. ولكن في الصراع العربي الصهيوني كان للدين حضور طاغٍ، وقد لعب دوراً أكثر أهمية، وكان أكثر تأثيراً؛ فهو في صُلب العقيدة الصهيونية، وأساس ادعاءاتها التاريخية بملكية الأرض. كما بتنا نلحظ تنامي دور المستوطنين اليهود (المتدينين) وزيادة تأثيرهم على السياسة الإسرائيلية على نحو بات يهدّد بتغيير بُنية وهوية الدولة. وفي المقابل هناك حضور قوي ومؤثر ومتنام للأحزاب والحركات الإسلامية في الطرف الفلسطيني (حماس والجهاد الإسلامي)، وكلا الطرفين يسعيان لتحويل الصراع إلى صراع ديني. ومن الملاحَظ أن الدين (في فلسطين وجنوب إفريقيا) كان يُنتِج اليمين واليمين المتطرف في جانبي الصراع (اليمين المتدين أو القومي أو العرقي)، اللّذَيْن رغم تناقضهما الظاهري كانا متحالفيْن ضد القوى الوسطية التي تدعو لحل سلمي، وكانا يؤثران على الخارطة السياسية.

وثمة فرق جوهري آخر بين الحالتين الإسرائيلية والجنوب إفريقية، يكمن في سعي إسرائيل لتعريف نفسها كدولة يهودية؛ وهذا التعريف الإثني/ الديني غير موجود في دستور جنوب إفريقيا، لا الآن، ولا في فترة الفصل العنصري. وتعريف إسرائيل لنفسها كدولة يهودية يعني وضع الأيديولوجية الصهيونية كأيديولوجية عليا للدولة، وفي هذه الحالة تصبح العنصرية الصهيونية هي مبدأ الدولة الرسمي المعلَن والمتبع –كما فعل الحزب الوطني في جنوب إفريقيا– وليس كما تحاول إسرائيل تصوير نفسها للعالم على أنها دولة القانون والمساواة وحقوق الإنسان وواحة الديمقراطية... حيث أن يهودية الدولة تتناقض جذريا مع الديمقراطية.[5]

والفرق الآخر بين الحالتين؛ أن العرب القابعين تحت الاحتلال الإسرائيلي داخل ما يسمى الخط الأخضر يمثّلون الأقلية السكانية (حوالي 20%)، بينما كان البيض في جنوب إفريقيا -وهم قوة الاحتلال والسلطة الحاكمة- يمثلون الأقلية (حوالي 15%). لذلك جاء الدستور في جنوب إفريقيا (بعد انهيار النظام العنصري) ليحمي ويضمن حقوق الأقليات، ويساوي بين جميع المواطنين السود والبيض والملونين تحت قومية واحدة، ودولة واحدة موحدة. بينما تقترح السلطة الحاكمة في إسرائيل تقديم دستور يحمي الدولة اليهودية الإثنية، ويُبقي على الأقلية الفلسطينية كهوية وطنية ناشطة ومؤثرة لكنها غير مندمجة، ولا تمتلك في حقيقة الأمر نفس حقوق الأكثرية اليهودية. ناهيك عن دعوات طرد الفلسطينيين وإجلائهم كليا عن البلاد (حزب كاخ مثال صارخ على ذلك).

مقاربة بين النضال الوطني الفلسطيني والجنوب إفريقي..

عدالة القضية الفلسطينية لا تقل عن عدالة قضية جنوب إفريقيا؛ فالاحتلال وممارساته القمعية والعنصرية لا تختلف كثيرا عن نظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا، ومطالِب الفلسطينيين بالحرية والاستقلال وإنهاء الاحتلال لا تقل وجاهة عن مطالب السود في جنوب إفريقيا بإنهاء الأبارتهايد، وإقامة دولة ديمقراطية غير عنصرية، فكلاهما يطالب بالعدالة والمساواة وإنهاء الظلم بكافة أشكاله.

بدأ الفلسطينيون نضالهم الوطني منذ وقت مبكر من القرن العشرين، أي منذ أن بدأت بريطانيا بتنفيذ المشروع الصهيوني، وقد أخذ هذا النضال أشكالاً عديدة، كان أهمها الثورات الشعبية والإضرابات وحرب العصابات، واستمر ذلك حتى العام 1948. بعد قيام إسرائيل، مرّ الفلسطينيون بظروف بالغة الصعوبة والخطورة، وكادت قضيتهم أن تُصفّى، وينتهي بهم الأمر جموعاً من اللاجئين، في هذه المرحلة الحرجة احتاج الفلسطينيون إلى أمرين: رفع الروح المعنوية والتخلص من آثار النكبة والهزيمة واستعادة الثقة بالذات، والأمر الثاني إعادة تأكيد الوجود الفلسطيني كشعب له شخصية سياسية وحقوق وطنية وممثل شرعي، وتثبيت ذلك على الساحة الدولية.

وهذا ما تم بعد انطلاقة الثورة في مطلع العام 1965، حيث أخذ مسار النضال الفلسطيني منحىً آخر؛ بدأ بالكفاح المسلح، ثم بالنضال السياسي على الساحة الدولية، بعد أن نجحوا بإعادة الاعتبار لقضيتهم الوطنية، وأخرجوها من ملفات النسيان إلى ميدان المعركة، وانتزعوا اعترافاً عالمياً بعدالة قضيتهم. واستمر الكفاح الوطني الفلسطيني بأشكال جديدة ومتنوعة، أبرزها الانتفاضات الشعبية والعمليات الفدائية، وصولا إلى مرحلة المفاوضات المباشرة مع الإسرائيليين.

في الحالة الإفريقية لم يكن الإفريقيون بحاجة إلى معارك سياسية لانتزاع اعتراف عالمي بوجودهم، أو بعدالة مطالبهم، خلافاً للفلسطينيين الذين احتاجوا سنوات من الكفاح المرير لإثبات وجودهم على الخارطة السياسية. بل كانوا بحاجة لأمرين: الأول إعادة الاعتبار لشخصية الإنسان الإفريقي التي محقتها سياسة التمييز العنصري، والتخلص من عقدة النقص التي أنتجتها عقود طويلة من الذل والعبودية، وأدت إلى فقدان الإفريقي ثقته بنفسه، والثاني فضح النظام الحاكم وإثبات عنصريته، ودعوة العالم لمقاطعته وعزله، ونزع الشرعية عنه.

ومن ناحية ثانية، أقام الفلسطينيون ثورتهم في البداية بهدف تصفية إسرائيل والقضاء عليها، ثم وفي مرحلة لاحقة ركزوا مطالبهم على انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عليها. بينما نَظّم المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) نفسه في مرحلة مبكرة من القرن العشرين في ائتلاف واسع له هدف مشترك، هو إنهاء السياسات العنصرية لحكومة جنوب أفريقيا، بمعنى أنّ المقاومة الإفريقية أسّست مطالبها منذ البداية على أساس المساواة والتعايش، وليس على أساس الانفصال، وكانت الإستراتيجية المتبعة تقوم على خطاب الحقوق المدنية، وإلغاء العنصرية وتحقيق المساواة الكاملة، وظلت منسجمة مع هذا الخطاب ومع نفس الهدف، حتى سقوط نظام الأبارتهايد. علما أنه كانت هناك أطراف تطالب بالانفصال على أسس عرقية مثل المؤتمر القومي الإفريقي.[6] 

بالرغم من أنّ كلا الطرفين (الفلسطيني والجنوب إفريقي) كانت لهما نفس الغاية (إنهاء الظلم والاحتلال والعنصرية)، إلا أنّ المطالب السياسية لكل منهما كانت مختلفة، وبالتالي ستختلف البرامج السياسية حسب خصوصية كل قضية؛ فإذا كان المجتمع الدولي يعترف بدولة إسرائيل، ويرفض فكرة القضاء عليها، وقد انخدع إلى درجة ما بالإعلام الصهيوني، فإنه فيما يخص الأراضي المحتلة عام 1967، له شأن آخر؛ فهي حسب القانون الدولي أراض محتلة، تخضع للاحتلال العسكري الإسرائيلي. ومع أنّ القانون الدولي يعترف بواقع الاحتلال العسكري وينظّمه؛ إلا أنه لا يوافق عليه؛ بل يدينه، ويعتبره نظاما غير مرغوب به، ويطالب بإنهائه بأسرع وقت ممكن. ووفقا للقانون الدولي، ليس القصد من الاعتراف بالاحتلال -كأمر واقع قد يَحدث في مجرى العلاقات الدولية- أن يصبح هذا الاحتلال نظاماً قمعياً طويل الأجل؛ إنما جرى تنظيمه في القانون الدولي باعتباره حالة واقعية مؤقتة، تنشأ إثر انتهاء مواجهة مسلحة أو حرب في منطقة ما، يَلزم خلالها المحافظة على القانون والنظام العام، وحماية المدنيّين انتظاراً للتسويات السلمية. [7]

على ضوء هذا الفهم، طوّر الفلسطينيون برنامجهم السياسي، ليصبح متماشياً مع القانون الدولي، أو ما يُسمى بالشرعية الدولية، بمعنى آخر، حتى يكون خطابهم السياسي مفهوماً ومقبولاً من قبل العالم؛ فبعد أن كانوا يتبنون خطاباً راديكالياً يدعو إلى تصفية إسرائيل، طرحوا برنامج الدولة الديمقراطية الواحدة على كل فلسطين التاريخية التي يتعايش فيها اليهود والعرب في دولة واحدة ديمقراطية. ثم تبنوا خطاباً براغماتياً يدعو إلى إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967. وهو الحل الذي سيُعرف بحل الدولتين، والذي يتبناه الآن المجتمع الدولي ويدعو الطرفين إلى تحقيقه.

في المقابل كان للمؤتمر الوطني الإفريقي برنامج واحد منذ نشأته، يدعو إلى إقامة دولة ديمقراطية غير عنصرية على جميع البلاد، يتعايش فيها البيض والسود والملوّنون جنبا إلى جنب، بحقوق متساوية، تحت مظلّة دولة موحّدة. التغيير، ربما الوحيد، الذي طرأ على هذا البرنامج جاء في وثيقة الحرية، بالذات في الجزء المتعلق برؤية الحزب لتركيبة الدولة ونظامها الاقتصادي.

أما فيما يتعلق بأوجه التشابه بين الحالتين في وسائل وأدوات النضال؛ فقد مارس الفلسطينيون كافة أشكال النضال الوطني (عمليات فدائية، تفجير، مواجهات عسكرية، مظاهرات، انتفاضات شعبية، مقاومة مدنية سلمية، مواجهات سياسية ودبلوماسية، مفاوضات مباشرة وغير مباشرة)، وفي المقابل نجد أن المؤتمر الوطني الإفريقي اتخذ نفس المنحى تقريبا؛ فهو قد بدأ نضاله معتمدا على أسلوب الحوار مع الحكومة فقط، واستمر في ذلك قرابة نصف قرن، ثم بدأ بتصعيد المقاومة المدنية السلمية كالإضرابات وحملات التحدي والدعوة للعصيان المدني، ثم تبنى الكفاح المسلح في مستهل الستينات من القرن الماضي، لكنه ظل مؤمنا بالكفاح السلمي المدني؛ وفي ممارسته للعنف المسلح كان حريصاً على تجنب القتل وسفك الدماء. ثم ركز جهوده على الساحة الدولية من أجل ممارسة ضغط  دولي على النظام عبر المقاطعة، وفرض العقوبات وسحب الاستثمارات، وأخيراً لجأ إلى المفاوضات المباشرة. كل هذه الأساليب الكفاحية مُورست بدرجات متفاوتة، وكانت درجة تصعيد نوع النضال تعتمد على طبيعة المرحلة، وفقاً لما تقتضيه الظروف.[8]

ومع أنّ ردّ نظام الأبارتهايد على الإضرابات وحملات التحدي الشعبية كان وحشياً وعديم الرحمة؛ إلا أنّ المؤتمر ركّز على هذا الشكل من المقاومة، وقام بتكرار استراتيجية المقاومة الجماهيرية المدنية المرة تلو الأخرى، حتى تشكّلت في النهاية الحركة الشعبية الديمقراطية في الثمانينات، والتي أجبرت نظام الفصل العنصري على الدخول في مفاوضات سياسية مع الحركة التحررية، حيث قادت تلك المفاوضات إلى نقل سلمي للسلطة عبر انتخابات ديمقراطية. وكانت هذه الحركات مدعومة من حركات تضامن معادية للأبارتهايد في جميع أنحاء العالم، هي التي حرّكت ونظّمت المقاطعة الدولية ضد نظام جنوب أفريقيا. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ المؤتمر الوطني الإفريقي لم يوقف الكفاح المسلح، إلا بعد أن قطع شوطاً مهماً من المفاوضات المباشرة (آب 1990).

المقاومة الشعبية السلمية كانت الشكل النضالي الأبرز في كل من فلسطين وجنوب إفريقيا، لكنها كانت في جنوب إفريقيا ذات شمولية أوسع، وزخم سياسي وإعلامي أكبر، وقد حقّقت مُرادها في النهاية، بينما في فلسطين ولأسباب عديدة منها ما يتعلق بطبيعة الاحتلال الإسرائيلي، وطبيعة الحراك الفلسطيني ما زالت المقاومة الشعبية محصورة، ولم تعطِـ النتائج المرجوّة، وربما هي بحاجة إلى مزيد من الإنضاج للظروف، وتوفير مقومات الاستمرارية والاتساع.

وفي جنوب إفريقيا استطاعت القيادة إدارة الصراع مع النظام دون تراجع، واستطاعت احتواء الأطراف الداخلية بنجاح كبير، وتمكّنت من تحقيق الوحدة الوطنية والحفاظ عليها حتى في أحلك ساعات الاقتتال الداخلي بين حزب المؤتمر الوطني الإفريقي وحزب إنكاثا المدعوم من قِبل السلطة. وأيضا تجاوزت القيادة خلافات المؤتمر الوطني مع المؤتمر القومي، ونظمت علاقاتها مع الشيوعيين. وكانت هذه الوحدة الوطنية أحد أهم أسباب الانتصار.

المفارقة أنّ الفلسطينيين أخفقوا في تحقيق وحدتهم الوطنية (بعد الانقسام 2007)، في حين نجح الإفريقيون بذلك، بالرغم من سهولة تحقيقها في فلسطين مقارنة بالوضع في جنوب إفريقيا؛ فالفلسطينيون متجانسون إثنيا وعرقيا، ويتكلمون لغة واحدة، وليست بينهم نزاعات طائفية، ولا صراعات طبقية، وعدوّهم واضح ومحدّد، بينما كان شعب جنوب إفريقيا يتشكّل من مجموعات عرقية وقبائل عديدة من السود أنفسهم، فضلاً عن المجموعات العرقية الأخرى من الهنود والملوّنين، وهؤلاء يتكلمون بلغات عديدة، ولكل جماعة تنظيم سياسي أو أكثر يعبّر عنه، وانقسام هذه التنظيمات يعني انقساماً عامودياً في بنية المجتمع، خاصة في حال تضارب المصالح القبلية. وما زاد من تعقيد المشهد نظام البانتوستونات، وانقسام فئات عديدة من الشعب بين مؤيد ومعارض له؛ ولم يكن هناك إجماع كامل على تشخيص العدو وتحديد طبيعة المرحلة وتحديد الأولويات. وعلى المستوى السياسي كان هناك طيف واسع من التنظيمات السياسية التي لها رؤى سياسية متعددة ومتباينة، وصل الأمر بها إلى الاقتتال الداخلي. وفوق كل هذا لم يكن أمام السود والبيض والملونين من خيار سوى التوحّد والتعايش والتعالي على الجراح.

كل الأفارقة الجنوبيين تقريباً، بما فيهم الشيوعيين والبيض المناهضين للنظام، وكذلك مجموعات التضامن الدولية؛ كانت لهم رؤية مشتركة حول الشكل النهائي للحل؛ فقد وجدوا إلهامهم في ميثاق الحرية؛ ذلك البيان من أجل التغيير الذي أصبح الرؤية التوحيدية لكل الحركات، وقد مثَّل الحد الأدنى من القواسم المشتركة بين مختلف الأطراف. وأخيراً، صار قاعدة للدستور الديمقراطي لجنوب إفريقيا بعد إحراز النصر.[9]

وجه التشابه الآخر تمثّله القيادة؛ حيث أنّ كلاً من الثورة الفلسطينية والمؤتمر الوطني الإفريقي حظيا بقيادة حكيمة ومجربة، كانت تتمتع بكاريزما قيادية؛ إنها الزعيمان الكبيران ياسر عرفات ونيلسون مانديلا، اللذان صارا رمزين وطنيين لقضيتهما، وقد مثّلاها على مستوى العالم، حتى اقترنت باسميها، وكان لذلك تأثير كبير في كسب التعاطف الدولي وتأييد الرأي العام الشعبي والعالمي، وبالتالي منح القضية مزيداً من أوراق القوة على الساحة السياسية الدولية، كما كان لهما دور هام على المستوى الداخلي في احتواء الخلافات والتناقضات، وتركيز الجهود باتجاه النقيض المركزي.

لكن هذا لا يعني أنّ مسار الكفاح الوطني في الحالتين (فلسطين وجنوب إفريقيا) كان مساراً منتظماً، متصاعداً، لا تشوبه شائبة، ويجري حسب خطط معدة مسبقاً، وفق رؤية بعيدة الأمد؛ بل كانت تعتريه الكثير من المصاعب والمعيقات الداخلية والخارجية، وكثيرا ما كان يمرّ بفترات جزر وتراجع، أو يسلك مسارات خاطئة، أو يُمنى بالفشل، أو يفقد زمام المبادرة وتصبح توجهاته مجرّد ردود أفعال.

صحيح أنّ الشعب الإفريقي في نهاية المطاف نال حريته، وأحرز نصره، وأنجز غايته، وتمكّن من تفكيك النظام العنصري وإقامة دولة ديمقراطية غير عنصرية، وأنّ الفلسطينيين ما زالوا تحت الاحتلال، إلا أنّ هذا ليس بسبب تقاعس الشعب الفلسطيني؛ بل هو عائد إلى جملة من الاعتبارات السياسية لها علاقة بطبيعة وخصوصية كل قضية، واختلاف الكثير من المعطيات بين الحالتين؛ في سنوات الثمانينات، بدأ المجتمع الدولي بفرض عقوبات اقتصادية على جنوب إفريقيا، بعد أن صارت ممارسات النظام مصدر حرج وقلق حتى لحلفائها التقليديين، الذين عجزوا عن تبرير ممارسات النظام العنصرية، وقد أدّت هذه العقوبات التجارية إلى إلحاق أضرار جسيمة بالاقتصاد، ثم تفاقمت العزلة السياسية التي يعيشها النظام في ظل مقاطعة دولية، وتصاعد للنضال الشعبي، أدى هذا إلى بداية إدراك الحكومة باستحالة استمرار هذا الوضع، وعدم قدرتها على تحمّله.

الفارق بين الحالتين أنّ العالم توقّف في مرحلة معيّنة، عن ازدواجية المعايير في التعامل مع دولة البيض العنصرية في جنوب إفريقيا، وتحديداً بعد المجزرة الرهيبة التي ارتكبها ذلك النظام في سويتو عام 1976، بينما ما زال هذا العالم يمارس ازدواجية المعايير في التعامل مع دولة إسرائيل، رغم كل مجازرها ضد الشعب الفلسطيني.

التفرقة العنصرية في فكر وممارسة جنوب إفريقيا وإسرائيل

في العشرين من تشرين الثاني عام 1963 اعتمدت الأمم المتحدة الإعلان العالمي للقضاء على كافة أشكال التمييز العنصري (ميثاق الأبارتهايد). وفي العام 1966 أعلنت الجمعية العامة عن يوم 21 آذار اليوم العالمي لمكافحة العنصرية، وهو اليوم الذي يصادف ذكرى مذبحة شاربفيل، التي ذهب ضحيتها 69 شخصاً كانوا خارجين في مظاهرة سلمية ضد نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

والواضح في الميثاق أنّ المجتمع الدولي، وأيضاً القانون الدولي، يَعتبران الأبارتهايد جريمة غير مقتصرة على جنوب إفريقيا، بل جريمة يمكن أن ترتكبها أية دولة، وأنّ واجب المجتمع الإنساني في حال وجود دولة ترتكب هذه الجريمة، أن يتَّخذ كافة الإجراءات القانونية والإدارية والاقتصادية بحقها، مثل فرض العقوبات والمقاطعة الشاملة ومحاكمة الجناة، حتى تتوقف عن ارتكاب الجريمة.

ولم يتوقف المجتمع الدولي في محاربته العنصرية عند ميثاق الأبارتهايد؛ فقد صدرت عدة مواثيق دولية أخرى تعتبر الأبارتهايد جريمة لا تختلف عن الإبادة الجماعية والعبودية المحظورة دولياً، (مثل ميثاق روما، مؤتمر ديربان). وهذه المواثيق الدولية تعتبر أنّ أيّ دولة تُسخِّر قوانينها وسياساتها لانتهاك حقوق الإنسان، أو لاضطهاد فئة معينة من المجتمع (عرقية أو إثنية أو قومية أو دينية) بغية إبقاء أو إدامة سيطرة النظام الحاكم، ترتكب جريمة الأبارتهايد[10]. والأبارتهايد، أو التمييز العنصري يعني التعامل مع أشخاص متساوين بشكل مختلف، وتفضيل بعضهم على بعض على خلفية الانتماء القومي أو الديني أو الطائفي، أو بسبب اللون، أو العنصر أو الجنس. ويقابله المساواة، وهي إعطاء حقوق متساوية للبشر دون الالتفات إلى الفوارق العرقية أو الجنسية أو الدينية وما إلى ذلك. أمّا كلمة "أبارتهايد" فهي مشتقة من لغة "الأفريكانز"، وتعني الفصل أو التفرقة. والتمييز العنصري بحسب تعريفه في الإعلان العالمي لمكافحة العنصرية في البند الرابع: "هو كلّ تمييز، أو إخراج من المجموع، أو تحديد، أو تفضيل بحجج تستند إلى العنصر، اللون، الانتماء العائلي، الانتماء القومي أو الإثني، تكون نتيجته أو وجهته تعريض الحقوق الأساسية في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية أو في أي مجال آخر للخطر".[11]

وفي كتابه "العنصرية كما شرحتها لابنتي"، يُعرّف الأديب المغربي "الطاهر بن جلون" العنصرية بأنها "اعتقاد الفرد أو المجموعة بالتفوق والتميز عن الآخرين، بسبب لون البشرة أو العرق". ويعتبر "بن جلون" أن العنصرية سلوك سلبي شائع في كل المجتمعات، يكتسبه الأفراد في الأجواء غير الصحية، إلا أن المجتمعات المتحضرة تنبذ هذا السلوك. أما التفرقة العنصرية فهي فصل مجموعة اجتماعية أو إثنية عن الباقي، ومعاملتها معاملة سيئة. ويستخدم المتعصّبون العنصرية والدين لدفع الناس للحقد والكراهية، وإذكاء مشاعر الخوف من كل ما هو أجنبي أو مختلف، وبالتالي فهي من أهم أسباب نشوب الحروب. وقد دأب المستعمرون على تبني العنصرية لتبرير جرائمهم وتسلطهم على الشعوب الأخرى، بحجة أنهم بدائيون وهمج وفي مرتبة أقل من البشر..[12]

ولتشخيص أشكال التمييز العنصري المتبعة في إسرائيل، من المهم معرفة أن إسرائيل كانت قد صادقت على الإعلان العالمي للقضاء على كافة أشكال التمييز العنصري في العام 1979، وأعلنت انضمامها إليه. كما جاء في ما يُعرف بـِ"وثيقة الاستقلال": "على دولة إسرائيل أن تضمن المساواة في الحقوق الاجتماعية والسياسية بشكل تام لكل مواطنيها، دون الالتفات إلى الدين، العرق، الجنس". كما عرّف القانون الإسرائيلي العنصرية بأنها "ملاحقة، إهانة، احتقار، عداء، عنف، التسبب بأضرار تجاه مجموعة سكانية بسبب اللون، أو الانتماء العرقي أو القومي أو الإثني".[13]

والمحكمة الإسرائيلية العليا تعتمد في قراراتها المساواة كمبدأ أساسي في الدولة، كما تقرّ بحق التعبير عن الرأي، وبالحق بتكوين أحزاب سياسية، وبحق التظاهر. وتَعتبر أنّ نشر أقوال عنصرية، أو المس بالمشاعر الدينية، أو التمييز في العمل والتعليم، أو منع الانتفاع من المرافق العامة على خلفيات قومية أو عرقية أو دينية تعتبر كلها مخالفة للقانون، وتستوجب العقوبة.[14]

وعلى الرغم مما تدّعيه إسرائيل بشأن المساواة وإدانتها للعنصرية، إلا أنّ الكنيست صادق على عشرات القوانين التي تضمن الحقوق الجماعية لليهود، والتي تكون عادة على حساب المواطنين العرب، كما تبنّت الحكومة عشرات القرارات، واتخذت مئات الإجراءات التي تنطوي على تفرقة عنصرية واضحة ضد المواطنين العرب، بدءً من رصد موازنات ضئيلة للقرى والمدن العربية، أو عدم اعترافها بعشرات القرى والتجمعات البدوية، وانتهاء بتنفيذ القانون بشكل عنصري وغير متساوٍ.

ولإثبات عنصرية إسرائيل، لا يجب التوقف عند عقد المقارنات بين ممارساتها وممارسات نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، بحيث تصبح هذه المقارنات مجرد تشبيه بين نظامين قمعيين عنصريين بهدف الترويج للقضية الفلسطينية؛ لأنّ الأبارتهايد ليس مجرد لائحة من الممارسات التي ارتكبها النظام العنصري في جنوب إفريقيا نُقارنها مع ممارسات الدول الأخرى، لنقول إن هذا النظام أو ذاك شبيه بالأبارتهايد. فإذا أثبتنا أنّ إسرائيل تمارس مثل هذه الممارسات العنصرية، فإنها بذلك لا تكون شبيهة بالأبارتهايد؛ بل تكون هي نفسها دولة أبارتهايد.[15]

وإذا أردنا أن نفهم الأبارتهايد الإسرائيلي على حقيقته، لا بد من النظر إليه بشمولية على أنه يتضمن كافة القوانين والسياسات والممارسات الإسرائيلية ذات العلاقة بالشعب الفلسطيني بأسره، وليس فقط في الضفة الغربية وقطاع غزة. فإذا كانت ممارسات وسياسات الاحتلال تعسفية، وتتسم بسمات وعناصر الأبارتهايد؛ فإن الأهم من ذلك هو النظر إلى الركن الأساسي من الأبارتهايد الإسرائيلي المتمثل بالجانب الأيديولوجي الفكري للحركة الصهيونية، والذي يقوم أساساً على فكرة عنصرية؛ حجر الأساس فيها أنّ اليهود هم قوم مميّزون، ومن واجبات هذا القوم أن يقيم دولة، وأنّ هذه الدولة لا بدّ لها أن تكون يهودية، ومن البديهي أنّ هذه الدولة حتى تقوم ستضطهد وستقصي الآخرين، الذين هم من وجهة نظرها مجرد أغيار أو جوييم، خُلقوا لخدمة اليهود. ولذلك اعتبرت الأمم المتحدة الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية، وأصدرت قراراً بذلك عام 1975، ثم عادت وتراجعت عنه عام 1992، في فترة الهيمنة الأمريكية على الأمم المتحدة.[16]  

أول مثال على الأبارتهايد الإسرائيلي هو طرد السكان العرب من أراضيهم وتشريدهم عام 1948، ثم عدم الاعتراف بحقهم في العودة، رغم صدور قرار دولي بذلك (القرار 194). فهذا انتهاك لحقوق الإنسان يهدف إلى إبقاء اليهود كأغلبية ديموغرافية، بغرض إبقاء السيطرة للإسرائيليّين اليهود؛ (وهي الفئة القومية الدينية التي ترتكب الجريمة من خلال أجهزة الدولة بموجب القوانين والسياسات والممارسات). والمثال الآخر على الأبارتهايد الإسرائيلي صدور قانون الجنسية الذي يتعامل مع العرب في إسرائيل كمواطنين من الدرجة الثانية، يُشبه وضعهم وضع الملوّنين والهنود في جنوب إفريقيا حين أُعطوا حق التصويت في البرلمان الثلاثي بصورة شكلية دون أن يكون لهم سيادة. وما زالت إسرائيل تنظر للعرب كخطر ديمغرافي، لا كمواطنين متساوين مع غيرهم.[17] ولم يتوقف الأمر عند ذلك؛ بل امتد ليشمل كل ما تمثله سياسات وممارسات التمييز العنصري المُمنهج بين الإسرائيلي اليهودي والفلسطيني، لعل أهمها وأخطرها سياسات التهويد المنظمة للقدس والنقب والجليل والمدن العربية. وقائمة هذه السياسات والممارسات طويلة.[18]

وهناك أمثلة كثيرة على الأبارتهايد الإسرائيلي، تم توثيقها من قبل جمعيات حقوقية، مثل جمعية حقوق الإنسان في الناصرة، وجمعية الدفاع عن حقوق المهجرين داخلياً في إسرائيل، ومركز مساواة في حيفا، وأيضاً من قبل منظمات يهودية إسرائيلية مثل "زخروت" واللجنة الإسرائيلية ضد هدم البيوت.[19]

وفي تقرير أعده مركز مساواة، أشار الكاتب "خليل حدّاد" إلى عشرات الأمثلة التي تُظهر أشكالاً عديدة من التمييز العنصري ضد العرب، وأنّ هذا التمييز لا يقتصر على المؤسسات الرسمية، بل يمتد إلى قطاعات واسعة في المجتمع الإسرائيلي نفسه. ومن الأمثلة: اعتداء على مواطنين عرب، المس بالمشاعر الدينية، وتدنيس المقابر العربية، وتحويل المساجد إلى متاحف، هدم بيوت، عدم السماح للعرب بترميم بيوتهم أو بناء مساكن جديدة، عدم منح المواطنين العرب فرصاً متساويةً في التوظيف، تصريحات عنصرية لمسؤولين في الدولة، جمعيات وأحزاب يمينية متطرفة تحرض ضد العرب، مظاهرات استفزازية لجماعات استيطانية في المدن العربية والمختلطة، تمييز في الأنشطة الرياضية، هتافات عنصرية في مدرّجات الجمهور أثناء المباريات الرياضية، تمييز في تقديم الخدمات العامة، قمع الشرطة للمظاهرات العربية بقسوة وعنف شديدين، كما حدث في أكتوبر 2000 حين قتلت الشرطة 13 شاباً عربياً أثناء مظاهرات سلمية، ولم يتوقف مسلسل القتل عند تلك الحادثة، إذْ يُشير التقرير إلى مقتل 41 عربياً بعد ذلك، على أيدي الشرطة والجيش وشركات حراسة خاصة، ومتعصبين يهود. وفي معظم الحالات كان القضاء يتساهل مع المعتدين وتتم تبرئتهم، أو إنزال عقوبات طفيفة جداً بحقهم. ولعل أشهر مثال على ذلك حين حكمت محكمة إسرائيلية على المقدّم "شدمي"  قائد لواء الجيش الذي اقترف مذبحة كفر قاسم عام 1956 بدفع غرامة مالية مقدارها قرش واحد !![20]

وبسبب تنامي مشاعر العنصرية في المجتمع الإسرائيلي أشار تقرير صادر عن جمعية حقوق المواطن أنّ العام 2006 شهد زيادة قدرها 26% في الحوادث المرتبطة بالعنصرية ضد العرب. وفي استطلاع للرأي أعدّته الجمعية تَبيّن أنّ 75% من اليهود لا يقبلون السكن بجانب مواطنين عرب، وأنّ 61% منهم غير مستعدين لاستقبال عرب في بيوتهم، وأن 55% يفضلون الفصل بين العرب واليهود في الأماكن العامة وأماكن الترفيه.[21]

وإذا كانت إسرائيل قد حظرت منذ عام 1985 الأحزاب السياسية التي تتبنّى الكاهانية باعتبارها أيديولوجيا عنصرية مكشوفة، ومنعت حركة كاخ التي كان يتزعمها مائير كاهانا من الترشّح للكنيست في 1988، إلا أنه بعد استلام اليمين الصهيوني الحكم (الليكود وحلفائه من الأحزاب الدينية) ظهرت بعض الحركات الكاهانية، ثم ازدادت وتيرة الاستيطان على نحو غير مسبوق، وبدأت ملامح اليمين الديني والتعصب تطغى على مظاهر الحياة الاجتماعية في إسرائيل، مع زيادة في قوة وتأثير المستوطنين ورجال الدين على القرار الإسرائيلي؛ ما يعني أنّ إسرائيل تأخذ منحى التطرف واليمين أكثر فأكثر، وستبدأ عمّا قريب بتبني القوانين العنصرية علانية، وبدون مواربة. 

واليوم، في ظل الحكومة اليمينية، تتصاعد عمليات مأسسة نظام الأبارتهايد في إسرائيل، من خلال سلسلة من التشريعات والقوانين التي تقترحها الجهات المتطرفة داخل الكنيست؛ كقانون المواطنة الذي بشّر به زعيم "إسرائيل بيتنا" افيغدور ليبرمان؛ هذا القانون فتح شهية حزب "شاس" اليميني الديني لاقتراح تعديلات جديدة عليه تدعو إلى إسقاط حق المواطنة عن كل من تثبت عليه تهمة عدم الولاء للدولة باعتبارها يهودية، فضلاً عن قانون النكبة، الذي يحظر على الفلسطينيين إحياء فعاليات ذكرى النكبة، وقانون لجان القبول في ما يسمى بالبلدات الجماهيرية، وقـوانين أخرى تؤسّس بمجـملها لنظام أبارتهايد تؤطره القوانين، بنفس النموذج الذي مثّله الحزب الوطني في جنوب إفريقيا.

وإذا انتقلنا إلى رصد الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في القدس والأراضي المحتلة عام 1967، سنجد مستوىً أعلى من التمييز العنصري؛ كالاعتداءات التعسفية، وانتهاكات لحقوق الإنسان، ومصادرة الحقوق الطبيعية والمدنية، وتقييد الحريات، وأعمال العنف والقتل والإبعاد والاعتقال وهدم البيوت والقصف ومصادرة الأراضي والاستيطان والجدار العازل والحواجز العسكرية وغيرها من الممارسات التي صنفتها تقارير دولية جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وأدانتها منظمات حقوق الإنسان.

وبناء على ما تقدم، يتضح لنا أن الاحتلال الإسرائيلي يتّسم بالكثير من سمات الاستعمار الاستيطاني، وفي  نفس الوقت، يحوي الكثير من أسوأ سمات الفصل العنصري؛ فإذا تميّز نظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا بإنكار الحقوق السياسية والمدنية للسود، وأن سياسته العنصرية كانت ظاهرة ومكشوفة، بل ومحمية بموجب القانون، ولا يخجل من الإعلان عنها وتبريرها وتشريعها؛ فإن الأمر في الحالة الإسرائيلية مختلف؛ فقد لاحظنا كيف أنّ التشريعات الإسرائيلية ترفض العنصرية، وتدينها على المستوى القانوني والنظري، وكيف تطبّق إسرائيل العنصرية على المستوى الفعلي، ولكن بشكل موارب ومخادع.

فعلى سبيل المقارنة، كانت حكومة جنوب إفريقيا تمنع السود من استخدام المرافق العامة كالمستشفيات والحدائق والشواطئ والمواصلات والمباني الحكومية والجامعات والمدارس التي كانت جميعها مخصصة للبيض فقط، وكانت تمنع السود من دخول أحياء البيض، ومن العمل في الكثير من الوظائف، وتحرمهم حق التصويت، وتحدّد أماكن إقامتهم، وتحدّ من حرية تنقّلهم ..إلخ، بينما لا توجد في إسرائيل هذه القائمة من الممنوعات على المواطنين العرب، بل أنها منحتهم حق المواطنَة والحق بتشكيل أحزاب والتصويت والترشح في البرلمان.

ومقابل هذا الاختلاف بين النموذجين (الإسرائيلي والجنوب إفريقي) من السهولة رصد الكثير من أوجه التشابه بينهما؛ فعلى سبيل المثال بدأت حكومة الحزب الوطني في جنوب إفريقيا أواخر الخمسينات من القرن الماضي بوضع قبائل السود في مناطق معزولة، ودعمت تشكيل حكومات في هذه المناطق، واعترفت بها كأقاليم مستقلة، بحيث يكون لكل منطقة رئيس من الشعب الأصلي وعلم ونشيد وطني، وقد عُرفت بالبانتوستانات أو المواطن المستقلة. لكن هذه البانتوستونات بقيت تحت سيادة الحكومة المركزية لدولة جنوب إفريقيا، تعتمد عليها بشكل كامل في الجانب المالي، وفي العلاقات الخارجية، وقد وُضع لكل بانتوستان أجهزة أمنية، وَظّفت الجزء الكبير من أهاليها الأفارقة، ليس للدفاع عن أمنهم، بل للدفاع عن مصالح حكومة الأبارتهايد، وأمن المستوطنين.[22]

وفي هذا الجانب يتماهى الاحتلال الإسرائيلي مع النظام العنصري في جنوب إفريقيا؛ فقد قامت إسرائيل بتجزئة المناطق الفلسطينية إلى بانتوستونات معزولة عن بعضها بشكل شبه كامل، فهناك ما يسمى "داخل الخط الأخضر"، التي يُحظر على الفلسطينيين (سكان الضفة الغربية والقطاع) دخولها، إلا بموجب تصاريح خاصة، لا تُمنح بسهولة. وهناك منطقة القدس، التي أصبح مجرد دخولها مهمة شاقة وصعبة وأحياناً مستحيلة، وتتطلّب تصاريح خاصة. وهناك قطاع غزة والضفة الغربية التي صار التنقل فيما بينهما شبه مستحيل، وكل منطقة منهما صارت مغلقة ومحاطة بالجدران والأسلاك الشائكة والمعابر الحدودية التي يتحكم بها جنود الاحتلال. وحتى الضفة الغربية نفسها صارت مجزأة إلى ثلاث مناطق: شمال، ووسط، وجنوب، وصارت كل مدينة وبلدة محاطة بالمستوطنات والحواجز العسكرية والطرق الالتفافية.

وليس هذا التقسيم هو التشابه الوحيد مع  بانتوستونات جنوب إفريقيا العنصرية؛ بل هناك أيضا التشابه في تقييد حرية التنقل والتي يجري فرضها على الفلسطينيين بقسوة، ويتم تنفيذها من خلال نظام التصاريح، وبواسطة نشر حوالي 540 حاجزا عسكريا ونقطة تفتيش، مع متاريس وخنادق وإغلاقات على الطرق. وهذا النظام فيه تشابه كبير مع "نظام إجازة المرور" في دولة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ولكن مع تشدّد أكثر. وربما يتفوق عليه، خاصة في مسألة شق طرق خاصة بالمستوطنين يحظر على الفلسطينيين استخدامها.

الفرق بين الحالتين، أن إسرائيل لم تسع للاعتراف بكل منطقة معزولة كإقليم مستقل كما فعلت جنوب إفريقيا، ربما لأن تجربة جنوب إفريقيا لم تنجح على الصعيد الدولي، ولم تع

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website