عرب النقب وأراضيهم بين مطرقة "القوننة" وسندان "الأمننة" الإسرائيلية - بقلم: د. ثابت أبو راس - عدد 249 - 250

عرب النقب وأراضيهم بين مطرقة "القوننة" وسندان "الأمننة" الإسرائيلية- بقلم: د. ثابت أبو راس·

 

لا شك أن الصراع على الأرض كان وما زال في لب الصراع الصهيوني – الفلسطيني، منذ ظهور الحركة الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر. فالحركة الصهيونية منذ نشأتها جندت مقولات دينية وعلمانية من أجل إقناع الشعب اليهودي والعالم بأسره بحقها في فلسطين التاريخية. مصطلحات توراتية مثل: "الأرض المقدسة" و"أرض إسرائيل" امتزجت مع مقولات علمانية مثل: "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" كانت بمثابة الوقود الذي حرك عربة الصهيونية وتوحيد "يهود الشتات" وربط مستقبلهم بفلسطين.

يواجه عرب النقب منذ أكتوبر عام 2000 تصعيداً جديداً في السياسة الإسرائيلية تجاههم. تمثلت هذه السياسة في عملية حصار وتطويق وتضييق الخناق عليهم. حيث تم خلال هذه الفترة حصار غزة، وإغلاق الحدود معها، ثم بناء الجدار "الأمني" على طول الحدود مع الضفة الغربية. هذان الأمران قطعا شريان الحياة الاقتصادي عن عرب النقب الذين رأوا بأسواق غزة والخليل شريان التواصل مع أبناء شعبهم في قطاع غزة والضفة الغربية. غني عن القول أن علاقات اجتماعية متينة ربطت وتربط عرب النقب مع أهلهم في هاتين المنطقتين منذ قبل النكبة في العام 1948.

واليوم تعمل حكومة إسرائيل على توجيه ضربة شديدة تتمثل، فيما لو نفذت، بنكبة صغيرة لهم. هذه الضربة تتلخص بمحاولة السيطرة على غالبية أراضيهم من خلال قانون يدعى قانون "توطين عرب النقب"، أو قانون "برافر". بموجب هذا القانون تحاول حكومة إسرائيل مصادرة  أكثر من نصف مليون دونم من أراضي عرب النقب. هذا الأمر احتاج إلى وضع خطة، عمل على إعدادها مجموعة من الخبراء بإرشادات من مجلس الأمن القومي. ويقف على رأس المجموعة إيهود برافر نائب رئيس مجلس الأمن القومي السابق (وهو جسم مؤلف من ضباط جيش متقاعدين رفيعي المستوى)، وراجعها وأجرى تعديلات عليها الجنرال يعقوب عميدرور رئيس مجلس الأمن القومي الحالي. كل هذا قبل جلبها إلى الحكومة الإسرائيلية في أيلول 2011 وإقرارها هناك. وفي الأشهر الأخيرة يتجول الوزير بيني بيغن "لسماع" أراء ممثلين عن عرب النقب لإضفاء توجهٍ ديمقراطي على الخطة. وتعتزم الحكومة جلب مشروع قانون لسنّه في الكنيست الإسرائيلي في الشهر القادم يصبح بموجبه المواطن العربي النقباوي، الذي يسكن على أرضه وفي قريته منذ قبل العام 1984، مخالفاً للقانون الإسرائيلي ويجب معاقبته.

لقد كان أسلوب القوننة وأمننة الحيز الإسرائيلي دائما أحد وسائل "الإقناع" التي استعملتها حكومة إسرائيل  لتضييق الخناق على الأقلية الفلسطينية وتحديد تطورها. وبهذه الصورة تم منذ قيام دولة إسرائيل سن أكثر من ثلاثين قانوناً تتعلق في قضايا الأرض، التخطيط وإدارة الحيز جعلت الدولة الصهيونية تسيطر على أكثر من 93% من مساحتها. وكان أحد مؤشرات المرحلة الجديدة في الهجوم على عرب النقب، حتى قبل سن قانون برافر هو هدم كل من قرى طويل وأبو جروال والعراقيب في السنتين الأخيرتين. وقبل أربعة أشهر تم توزيع أوامر ترحيل لسكان قرية وادي النعم، غير المعترف بها، الواقعة جنوب بئر السبع والتي يبلغ عدد سكانها ثمانية آلاف مواطن. هذه الأوامر الجديدة أنذرت المواطنين بالرحيل من قريتهم خلال 48 ساعة دون الإشارة إلى مكان السكن الجديد.

عرب النقب وأراضيهم قبل النكبة

يقر عارف العارف (1973) وبن دافيد (2004) أن العرب البدو متواجدون في النقب منذ دخول الإسلام إلى أرض فلسطين. أما شارون (1975) فيقول إن عشائر التياها، الأكبر في النقب، قد وصلت إلى المنطقة في القرن الحادي عشر، مئات السنين قبل وصول العثمانيين للبلاد في العام 1510 م.[1]

إن حضور وتأثير عرب النقب قد ظهر جلياً قبل قيام دولة إسرائيل في العام 1948. فقد أقيمت مدينة بئر السبع الحديثة في العام 1900 م، على يد السلطات العثمانية، بعد شراء 200 دونم من عشيرة العزازمة وقد ترأس بلدية بئر السبع في فترات مختلفة بعض المشايخ منهم الشيخ على العطاونة والشيخ حسين أبو كف.

في العام 1858 أقر العثمانيون قانوناً بموجبه يتم تسجيل الأراضي وأصحابها بهدف تنظيم وإدارة شؤون البلاد في الإمبراطورية العثمانية. في ذلك الوقت تم تصنيف الأراضي في رحاب الإمبراطورية إلى خمسة أنواع: أراضٍ بملكية خاصة، أراضي دولة (ميري)، وقف إسلامي، أراضٍ موقوفة، وأما النوع الأخير فصنفت كأرض "موات"، أي ميتة لا تصلح  للزراعة. وكانت أراضي النقب قد صنفت كأرض "موات". وقد عارض عرب النقب تسجيل أراضيهم لأن تسجيلاً كهذا يجعلهم خاضعين للسلطة العثمانية وبالتالي إجبارهم على دفع الضريبة والخدمة في الجيش العثماني..

حتى العام 1948 كان العرب-البدو سكان النقب الوحيدين تقريباً. وقد سكن في منطقة النقب في العام 1947 ما بين 65000 – 90000 نسمة  ينتمون إلى 96 قبيلة وعائلة. وحسب مصادر مختلفة بمن فيها مصادر صهيونية فقد زرع عرب النقب ما مساحته مليوني دونم تم الاتفاق على ملكيتها حسب القوانين والأعراف العربية البدوية. وتضيف الباحثة الصهيونية كرك (2002) أن العرب البدو قد زرعوا 3.5 مليون دونم كانت مقسمة بين العشائر في النقب.

بعد الاحتلال البريطاني لفلسطين في العام 1917، تم استطلاع أراضي عرب النقب، حيث وجد أن المنطقة مسكونة ومزروعة على يد البدو وأن الأراضي هي بملكية بدوية. وقد أقر الاستطلاع وجود 50% من مساحة النقب كمناطق مزروعة.[2]

في العام 1921 طالبت حكومة الانتداب البريطاني عرب النقب بتسجيل أراضيهم وأعطت السكان مهلة شهرين لفعل ذلك. وقد سجل القليل منهم أراضيه وخاصة الساكنين قرب مدينة بئر السبع. وهكذا بقيت أراضي عرب النقب بغالبيتها دون تسجيل. وقد فشل مشروع تسجيل الأراضي في كل فلسطين حيث تم تسجيل، حتى العام 1928، ما يقدر بـ5% من مساحة فلسطين التاريخية.[3] أي أن عدم التجاوب مع مشروع تسجيل الأراضي شمل الفلسطينيين في المناطق المختلفة من البلاد. من جهة أخرى وبحسب المرسوم نفسه من العام 1921، فإن كل نقباوي استصلح الأرض من صنف "موات" حصل على ملكيتها وإعادة تصنيفها كأرض من نوع "ميري".

حقوق عرب النقب في أراضيهم قبل النكبة في العام 1948 واضحة المعالم، أبحاث كثيرة أثبتت انه كان هناك جهاز تقليدي للأراضي متفقاً عليه، عمل به عرب النقب وملكية أراضٍ عشائرية اعترف بها العثمانيون والبريطانيون من بعدهم.[4] أما الباحث منصور النصاصرة ابن النقب فقد اثبت، من خلال بحث شامل وعميق في المحفوظات والأرشيفات البريطانية والإسرائيلية للدولة العبرية في سنواتها الأولى ولقاءات مع موظفين بريطانيين في فترة الانتداب البريطاني في فلسطين، أن العثمانيين، والبريطانيين والإسرائيليين الأوائل قد اعترفوا بملكية عرب النقب في أراضيهم.[5]

سياسة إسرائيل اتجاه عرب النقب منذ العام 1948

منذ قيام الدولة  تلخصت سياسة حكومات إسرائيل تجاه عرب النقب بثلاثة محاور:

1-  تركيز عرب النقب في منطقة تُسمى "السياج." وتقع هذه المنطقة جنوبي وشرقي بئر السبع، وهي بغالبيتها السّاحقة منطقة مُقفرة، تحدّدت مساحتها بقرابة 1.5 مليون دونم من مساحة النقب التي تبلغ حوالي 13 مليون دونم. وقد استكمل تهجير عرب النقب إلى هذه المنطقة في العام 1954، وبعد إتمام عملية الترحيل منحت الحكومة  الإسرائيلية حق المواطنة للمتبقين  من عرب النقب. والبالغ عددهم 11 ألفاً. وقد مرّت هذه العملية المركّبة من دون صعوبات نتيجة لهيمنة الحكم العسكري وطغيانه، الذي فرض على عرب الداخل حتى العام 1966.[6]

2-  تمدين عرب النقب، هذه السياسة التي تبنتها الحكومات الإسرائيلية منذ العام 1962 هدفت إلى تجميع عرب النقب، وتقليص حيزهم الجغرافي، ومراقبتهم وإحكام السيطرة على تحركاتهم في المنطقة الواسعة. وقد حاولت حكومة إسرائيل الأولى، مباشرة بعد نكبة عام 1948، نقل عرب النقب إلى يافا، واللد والرملة. لكنها فشلت في سياستها لارتباط البدو في منطقتهم  الطبيعية - النقب. وبدأت في تنفيذها مع قيام قرية تل السبع في العام 1969. وفي العام 1974 أقيمت راهط البلدة الثانية وهي الأكبر (اليوم). أما، كسيفة وعرعرة فقد أقيمتا في العام 1982 في أعقاب اتفاقيات كامب ديفيد والانسحاب الإسرائيلي من سيناء وإقامة مطار "نفاطيم"، على أراضي تل الملح بعد طرد سكانه العرب ومصادرة أراضيهم والتي بلغت حوالي الـ60 ألف دونم. وفي العام 1985 أقيمت بلدة شقيب السلام جنوب شرقي بئر السبع. أما حورة واللقية فقد أقيمتا في العام 1990. وعلى ضوء النشاط الجماهيري الذي قاده المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها فقد تم الاعتراف بعشر قرى أخرى (اعترافاً مبدئياً) وشكل مجلس إقليمي أبو بسمة في العام 2003 لتقديم خدمات لهذه القرى. لكن، هذه القرى وبعد سنوات طويلة من الاعتراف بها ما زالت تفتقر إلى الكهرباء والماء وباقي الخدمات الأولية.[7]

3 - المحور الثالث في السياسة الحكومية تجاه عرب النقب تمثل بحل ادعاءات ملكية عرب النقب لأراضيهم، الأمر الذي بدأ في السبعينات من القرن الماضي، والآن تعمل الحكومة على إنهائه من خلال تقرير برافر. وقد استند أول اقتراح تسوية حكومي في هذه المسألة على توصيات لجنة برئاسة المحامية بليئاه ألباك من وزارة القضاء  في العام 1976. من جهة فإن الموقف الإسرائيلي الرسمي هو أن أرض النقب تتبع للتصنيف العثماني للأراضي كأراضٍ "موات" أي أراض "ميتة" غير ملائمة للاستصلاح، إلا أنها صادقت على منح تعويض أراضٍ جزئيّ بقيمة 20% لأولئك الذين ادّعوا الملكية على أكثر من 400 دونم. في مقابل اقتراح التسوية هذا طرأ تصعيد في سياسة الحكومة تجاه عرب النقب. وانعكس هذا التصعيد في ملاحقة عرب النقب في مجالات البناء والرّعي. وإقامة الدورية الخضراء 1977، التي "كُلفت بتطبيق القانون في الحقل".[8] وقد فشل اقتراح "التعويض" بعد أن رفضه السكان العرب في النقب.

إلا أنّ التغيير الأكبر الذي حصل في سياسات الحكومة تجاه عرب النقب حصل في العام 1998، مع إقامة اللجنة الوزارية" لدفع وتعزيز البدو في النقب" وإقامة "مديرية تطوير البدو في النقب"، التي استخدمت: أداة لتطبيق السياسات الحكومية في هذه المسألة.

والجدير ذكره أن هذه السياسيات تم تمريرها عبر عملية إقصاء وتهميش مواطنة عرب النقب وضرب النسيج الاجتماعي وشرذمة المجتمع البدوي من خلال إبراز بعض التناقضات المجتمعية وتشجيع القبلية.

الأرض في النقب قضية غير منتهية:

قبل العام 1948 استطاع بعض الأشخاص والمؤسسات الصهيونية شراء حوالي 95 ألف دونم من أراضي عرب النقب من عشائر مختلفة. هذه الصفقات تم قبولها كصفقات شرعية بعد قيام دولة إسرائيل. والجدير بالذكر أن الاستيطان اليهودي الفعلي للنقب قد جاء متأخراً مقارنة مع الاستيطان في مناطق أخرى من فلسطين. حيث أقيمت المستوطنات اليهودية الأولى في العام 1942، أي ست سنوات قبل النكبة.

استعملت حكومات إسرائيل، في تعاملها مع أراضي عرب النقب، أرض النقب كأرض "موات لا تصلح للزراعة"، وأقرت أن كل بدوي تنازل عن تسجيل أرضه في العام 1921 قد تنازل عملياً عن حقه في الأرض. هذه السياسة أخذت المصادقة القضائية من المحاكم الإسرائيلية. عشرات القرارات من المحاكم الإسرائيلية أسقطت حق عرب النقب في ملكيتهم في أراضيهم.

اليوم هناك 200 ألف عربي نقباوي يساوون حوالي 32% من سكان المنطقة يعيشون على حوالي 2% من أراضي النقب ويطالبون بتسجيل حوالي 600 ألف دونم بملكيتهم الخاصة، هذا الأمر رفضته حكومات إسرائيل، والآن حان موعد الإجهاز على هذه الأراضي بواسطة خطة حكومية "لتنظيم إسكان عرب النقب" هي خطة برافر.

تتمثل خلاصة القضية  في النقب بالحاجة لتسوية الأراضي في النقب الشمالي، وهي عملية كانت قد بدأت في العام 1971. وتعترف الدولة الإسرائيلية بوجود دعاوى ملكية لعرب النقب، إلا أنهم ليسوا أصحاب أراضٍ وهم في أفضل الأحوال أصحاب حق في "الوصاية" تمنحهم إياه الحكومة" كبادرة حسن نية"، وذلك وفق سياسات الحكومة التي تبنّتها المحاكم. وتبلغ مساحة الأراضي التي يسكنها عرب النقب في البلدات السبع المعترف بها وفي القرى غير المعترف بها-  قرابة 260000 دونم، ما يشكل قرابة 2% من المساحة العامة. من بين هذه الأراضي يستخدم سكان القرى غير المعترف بها قرابة 180000 دونم، ما يشكل1.4 % من الأراضي. وتُقدّر مساحة الأراضي الشاملة التي يطالب بها عرب النقب (حسب المصادر الحكومية الإسرائيلية) بقرابة5.4 % من مساحة النقب. وقد قدّم العرب البدو الذين بقوا في النقب بعد النكبة في العام 1948، ما مجموعه 3220 دعوى تتعلق بـ863775 دونمًا.[9]

منذ بدء عملية تسوية الأراضي وحتى اليوم، نجحت الدولة في التوصّل إلى تسوية مع السكان العرب في النقب تتعلق بـ67205  دونمًا فقط (قرابة 18% من مجمل الأراضي التي يدّعون ملكيته).[10] وهناك 50000 دونم تم نقلها من أيادي عرب النقب لدولة إسرائيل بعد قرارات محاكم في دعاوى مُضادة جارية. وقد بلغ حجم الأراضي التي لم تُسوَّ مكانتها في تموز 2008، قرابة 592000 دونم تتبع لـ2749 دعوى قضائية.[11] ولكن من الهامّ بمكان أن نتذكر أنّ عرب النقب قد سبق وقدّموا دعاوى قضائية خلال السنوات الأولى التي تلت إقامة الدولة. وقد أسّسوا هذه الدعاوى على وثائق تثبت دفعهم للضرائب المفروضة على هذه الأراضي حتى قبل قيام دولة إسرائيل.

الدوافع الإسرائيلية للسيطرة على أراضي عرب النقب

- البعد الإيديولوجي الصهيوني

لا شك أن البعد الإيديولوجي الصهيوني هو الأقوى في محاولة السيطرة على أراضي عرب النقب. فالدولة الصهيونية قامت على أن "أرض إسرائيل" لا تباع وأنها ملكية جماعية للشعب اليهودي. واليوم 93.5% من مساحة الدولة "اليهودية والديمقراطية" بملكيتها. فالأرض يتم تأجيرها لفترة 49 سنة وفي حالات معينة لـ98 سنة. ولا تخفي حكومة إسرائيلية نيتها بابتلاع ما تبقي للأقلية الفلسطينية من أراض (دون أراضي عرب النقب) والتي تبلغ أقل من 3.5% من مساحة إسرائيل.[12] ولا تشبه إسرائيل بحالتها هذه أي دولة ديمقراطية في العالم. بل أكثر من ذلك هناك ثلاث دول فقط  في العالم تسيطر على هذا الكم الهائل من مساحتها الجغرافية هي: كوريا الشمالية وكوبا والصين والتي تعلل ذلك بتبني النموذج الاشتراكي والشيوعي في التعامل مع قضايا الأرض والتخطيط.

- البعد الجغرافي – السياسي

تمتد الغالبية الساحقة لادعاءات الملكية لمن تبقوا من عرب النقب في المنطقة الجغرافية الواقعة بين حدود إسرائيل (الخط الأخضر) مع جبال الخليل وقطاع غزة. ومع أن حكومات إسرائيل تبني المستوطنات في جميع أنحاء فلسطين التاريخية وخاصة المناطق الإستراتيجية منها إلا إنها تعمل على أن لا يحصل أي تواصل جغرافي أو ديمغرافي عربي بين شطري الدولة الفلسطينية العتيدة في الضفة الغربية وقطاع غزة، والذي قبلت السلطة الفلسطينية بها. وقد اهتمت حكومة إسرائيل ومن خلال خطة برافر منع تعويض عرب النقب بالأراضي في هذه المنطقة بالذات، وتعرض تعويضاً مادياً بخساً لكل دونم يصل إلى خمسة آلاف شيكل للدونم لا غير. كذلك عارضت حكومة إسرائيل بناء أو إقامة أي قرية جديدة في هذا الحيز لتركيز عرب النقب في المنطقة الصحراوية جنوب شرقي بئر السبع.[13]

والجدير بالاهتمام أن هذه الأراضي والتي تشمل أراضي المدن الإسرائيلية نتيفوت، واوفاكيم، وشديروت، وأراضي المستعمرات الزراعية من كيبوتسات وموشافيم الممتدة في مثلث قطاع غزة، ومدينة بئر السبع ومدينة كريات غات، هي أراضي اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين وبضمهم مهجرو الداخل. ومن خلال هذا البند في قانون برافر تحاول حكومة إسرائيل التسلل إلى أراضي اللاجئين وجعله سابقة لتعويضهم ماليا فقط؟

-  البعد الاقتصادي

هناك بعدٌ اقتصاديٌّ لنقل معسكرات التدريبات من مركز البلاد إلى النقب. حيث أن أسعار العقارات في مدينة تل أبيب ومركز البلاد ارتفعت بشكل كبير في العقد الأخير. مقابل ذلك فإن أسعار الأراضي في النقب هي بخسة نسبيا. لذلك قامت دائرة أراضي إسرائيل باستبدال عشرات آلاف الدونمات من أراضي عرب النقب، المسجلة على اسمها ويطالب عرب النقب نقل ملكيتها لأصحابها الأصليين، بآلاف الدونمات يملكها الصندوق القومي اليهودي في مركز البلاد. هذه الصفقة بدورها تمنع استرجاع أراضي عرب النقب في المستقبل.

كذلك فإن بعض المناطق من السياج أصبحت تعرف بأنها من أغنى المناطق بمناجم الفوسفات في البلاد بعد اكتشاف منجم "برير" الواقع في مركز قرية الفرعة غير المعترف بها، وفي الخارطة الهيكلية الجديدة، متروبولين بئر السبع، حيث تقع  منطقة السياج ضمنها، تم الإشارة إلى عشرات آلاف الدونمات كمناطق مناجم وخاصة في محيط قرى تل عراد، وعرعرة وأبو قرينات.

وسائل وأساليب السيطرة الإسرائيلية على الأرض العربية في النقب

من أجل إنجاح مخططاتها اتبعت حكومات إسرائيل سياسات مختلفة هدفها الاستيلاء على الأراضي العربية في النقب. من أهم هذه الأساليب:

1- الإعلان عن أراض عربية كمناطق عسكرية

منذ العام 1948، اتبعت حكومات إسرائيل المتعاقبة، وخاصة في العقد الأول، الإعلان عن مناطق واسعة كمناطق عسكرية. واليوم تسيطر المؤسسة العسكرية أو يقع تحت تأثيرها 46% من مساحة إسرائيل. وتشغل مناطق التدريبات العسكرية 30% من الحيز الإسرائيلي. أما في النقب وبحجج عسكرية فقد تم طرد سكان القرى الفلسطينية وتركيزهم في منطقة السياج بين الأعوام 1949-1954. وتشغل المناطق العسكرية والأمنية  58% من مساحة النقب. وهناك اليوم أربعة مطارات عسكرية هي: مطار "نفاطيم" الذي أقيم على أراضي عرب النقب بعد طرد السكان وإجلائهم في العام 1981 في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد مع مصر. أما المطارات الأخرى فهي "حتسيريم"، و"رامون" و"عوفداه".[14]

تتمتع المؤسسة العسكرية بقوة تأثير مطلقة في جهاز التخطيط الإسرائيلي وتقرر وحدها وبدون رقيب مدني في كل ما يتعلق بالتخطيط في الأراضي التي بحوزتها، ولها حق الفيتو لتخطيط الحيز المدني الذي يجاورها. كذلك لها السلطة المطلقة في  قضية استعمال المجالين الجوي والبحري لإسرائيل. من جهة أخرى فهي تسيطر على الموجات والذبذبات الالكترومغناطيسية، في إسرائيل.

وفي هذه الأيام، وبحجة "تطوير النقب"، تقوم الحكومة الإسرائيلية ببناء البنية التحتية لمدينتين عسكريتين هما "عير هباهاديم" أو مدينة التدريبات والإرشادات العسكرية في مفرق النقب جنوبي مدينة بئر السبع، و"كريات هموديعين" أو مدينة الاستخبارات شرقي المدينة. هذه المنشئات العسكرية سيتم نقلها من مركز البلاد إلى المنشآت في النقب. غني عن القول أن هاتين المدينتين تقامان على أراض يملكها عرب النقب. وفي الحالة الأخيرة سيتم هدم القريتين غير المعترف بهما: عويجان والمكيمن وإجلاء سكانهما.

وقد طالت المناطق العسكرية منطقة "السياج" والتي يتركز بها سكان القرى غير المعترف بها. وهناك قرى عربية غير معترف بها تقع في مناطق التدريبات العسكرية للجيش الإسرائيلي ومهددة بالهدم. ومن هذه القرى: سعوة، وقطامات والمزرعة.

2- الإعلان عن مناطق واسعة كمناطق تحريش

يذكر المؤرخ إيلان بابه في كتابه التطهير العرقي في فلسطين (2007) دور التحريش وحدائق الاستجمام التابعة للصندوق القومي اليهودي في محو الذاكرة الفلسطينية من خلال قلع الأشجار والتي من الممكن أن تدل على التاريخ الفلسطيني مثل التين والصبر وزرع أشجار أوروبية مكانها مثل الصنوبريات. ويفند المؤرخ بابه أكاذيب الموقع الالكتروني التابع للصندوق القومي اليهودي على الشبكة الإلكترونية بأن الصندوق قد جعل "الصحراء تزدهر" وأن غابات وأحراش الصندوق قد زرعت فوق "مناطق قاحلة شبيهة بالصحراء.[15]

في السنوات الأخيرة، يعد تحريش الأراضي "للمصلحة العامة" أكثر الأساليب استعمالا من أجل السيطرة على الأراضي العربية في النقب. مع أن هذه السياسة قائمة منذ قيام دولة إسرائيل إلا أنها تكثف تطبيقها بعد إقرار الخارطة الهيكلية القطرية للتحريش (تاما 22) وخاصة في السنوات الأخيرة. واليوم هناك أكثر من 20 غابة وحرشاً في النقب. وتعتبر غابة عتير الأكبر في البلاد، حيث تمتد شمال شرقي بئر السبع وعلى طول الحدود مع الضفة الغربية.

من المهم الانتباه أن دائرة أراضي إسرائيل قامت باستبدال بعض الأراضي في مركز البلاد مع الصندوق القومي اليهودي (JNF) والذي حصل على عشرات آلاف الدونمات في هذه الصفقة من أجل تحريشها. هذه الأراضي تابعة لعرب النقب القاطنين في منطقة السياج والآخرين الذين أصبحوا لاجئين في الضفة الغربية، أو قطاع غزة أو الأردن.

يستعمل التحريش أداة من أجل هدم القرى غير المعترف بها وترحيل سكانها. فمن أجل إقامة غابة "غورال" تم هدم قرية طويل أبو جروال غير المعترف بها، كذلك بالنسبة للعراقيب حيث هدمت القرية للمرة الـ38 (وتم إعادة بنائها كل مرة من جديد) من أجل تحريش المنطقة وإقامة حرشي: "هشغريريم" أي السفراء وغابة "تلفزيون الرب" وفي الحالتين تم قلع آلاف أشجار الزيتون التي يزرعها ويعتاش منها السكان العرب، وزراعة شجرة  الكينا–الاكاليبتوس مكانها، وهي الشجرة التي تمثل الاستيطان اليهودي في فلسطين منذ أكثر من مئة عام.

3- استيطان يهودي واسع في منطقة السياج

بعد تركيز عرب النقب في منطقة السياج، الواقعة جنوب شرقي بئر السبع، بقيت هذه المنطقة خالية نسبيا من الاستيطان اليهودي لعشرات السنين. حيث تم الاكتفاء، ولمدة طويلة، بإقامة المستوطنة "نفطيم" في العام 1954 في قلب المنطقة. كذلك أقيمت، في سنوات الثمانين والتسعين من القرن الماضي، البلدات: عومر، وميتار ولاهفيم للطبقة الوسطى من المواطنين اليهود الذين لم يقتنعوا بالسكن في مدينة بئر السبع.

في العقد الأخير هناك تكثيف للاستيطان اليهودي في منطقة السياج وجوارها، حيث أقرت الحكومة الاعتراف بأكثر من ستين مزرعة فردية يهودية أقيمت بشكل عشوائي وغير قانوني. واليوم، وكجزء من مخططات تطوير النقب وتهويده، أقرت الحكومة الإسرائيلية إقامة عشر مستوطنات يهودية جديدة مكان قرى عربية غير معترف بها سيتم هدمها، وأهمها مدينة "كسيف" التي ستقام في منطقة تل عراد. أما البلدة اليهودية المخططة الجديدة "حيران"، فستقام على أنقاض قريتي أم الحيران وعتير.

سبل مواجهة عرب النقب لمصادرة أراضيهم

حاول عرب النقب في سنوات السبعين والثمانين من القرن الماضي الاستعانة بالمحاكم الإسرائيلية لتثبيت ملكيتهم في أراضيهم. إلا أن هذه الإستراتيجية قد فشلت كليا بعد قرار القاضي حليمة في العام 1982 أن "بدو النقب" لا يمكن أن يكونوا أصحاب أرض "لأنهم بدو رحل". وخلال الفترة الماضية بلغ عدد الملفات التي وصلت المحاكم الإسرائيلية أكثر من 200 ملف لم يكسب عرب النقب منها ملفا واحدا.

ومنذ قرار القاضي حليمة تبنى سكان القرى غير المعترف بها، وبتشجيع من جسمهم التمثيلي المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها، سياسة "وضع الحقائق على الأرض" من خلال بناء البيوت، وخاصة أن الدوائر الحكومية الإسرائيلية لا تمنح تصاريح بناء لسكان هذه القرى. ففي هذه المنطقة هناك وحدة خاصة بهدم البيوت ولا يوجد مكتب لاستصدار رخص بناء لعرب النقب سكان القرى غير المعترف بها.

ومع أن الأجهزة الحكومية تقوم بهدم مئات البيوت كل سنة (في العام 2011 تم هدم أكثر من 1000 بيت)[16]إلا أن إستراتيجية الصمود والبقاء على الأرض وبناء البيت من جديد أصبحت السياسة الأكثر شيوعاً. إن صمود أهل قرية العراقيب التي هدمت حتى الآن 38 مرة وتم بناؤها من جديد بعد هدمها كل مرة، قد أصبح مثالاً للصمود والبقاء على الأرض في النقب.

من جهة أخرى، ولقيادة نضال عرب النقب، شكلت لجنت التوجيه العليا لعرب النقب في 18 أيلول 2011 والتي انبثقت عن "لجنة المتابعة العليا للمواطنين العرب في إسرائيل". وتتمثل في هذه اللجنة الأحزاب والحركات السياسية الرئيسية مدعومة بمؤسسات المجتمع المدني في الداخل. وتقوم لجنة التوجيه بأهم النشاطات الجماهيرية والسياسية للدفاع عن عرب النقب وأراضيهم. ولا تعول لجنة التوجيه الكثير على العمل السياسي البرلماني كون الحكومة الإسرائيلية ماضية في تنفيذ مخططاتها ضاربة عرض الحائط حقوق عرب النقب في أراضيهم.

من جهة أخرى فإن إستراتيجية الرجوع إلى القضاء العشائري في قضايا الأرض بعد أن عملت حكومات إسرائيل طوال عشرات السنين على محوه، قد أثبتت نفسها. وتتمثل هذه الإستراتيجية بالمطالبة بعدم قبول قرارات المصادرة الإسرائيلية و بعدم دخول أي من العشائر أراضي الآخرين واحترام الحيز العشائري والذي كان قائماً ومعمولاً به رسمياً قبل العام 1948. واليوم تنشر الإعلانات في الصحف المحلية العربية في النقب للتذكير بهذا الأمر.

وعلى الصعيد الدولي تعمل مؤسسات المجتمع المدني وعلى رأسها عدالة: المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل، على طرح قضية عرب النقب في المحافل الدولية والتواصل مع سفراء هذه الدول الدائمين في إسرائيل. وقد طرحت قضية عرب النقب وأراضيهم في البيت الأبيض في الولايات المتحدة الأمريكية، ومع أعضاء الكونغرس الأمريكي، وفي مؤسسات الاتحاد الأوروبي. وكان في صدارة هذا العمل  تقرير اللجنة لمكافحة التمييز العنصري والمنبثقة عن الأمم المتحدة الذي نشر بعد زيارة مبعوث خاص للمنطقة، والذي وصف تقرير برافر بأنه "تقرير عنصري ومميز، ويجب عدم سنه كقانون".

أراضي عرب النقب من تقرير غولدبرغ لقانون برافر

توصيات لجنة غولدبرغ

في كانون الأول 2007، عينت الحكومة الإسرائيلية لجنة "توصي أمام الحكومة بسياسة لتسوية سكنى البدو في النقب، ويضمن ذلك بلورة اقتراحات وتعديلات تشريعية". وقد حظيت اللجنة بتفويض واسع وصلاحيات كبيرة. هذه اللجنة تكونت من ثمانية أعضاء، ترأسها قاضي المحكمة العليا المتقاعد إليعيزر غولدبرغ. وقد عُين في اللجنة ممثلان اثنان من العرب  البدو من سكان البلدات في الجنوب. وخلال خمسة أشهر أجرت اللجنة 25 جلسة واستمعت إلى 117 شاهدًا، شملوا ممثلي جمهور، وممثلي مؤسّسات، وباحثين وأكاديميين وممثلي الحكومة على مختلف أذرعها. وفي يوم 11 كانون الأول 2008 قدّمت اللجنة تقريرها إلى الحكومة والتي صادقت على حيثياته.

في الجانب الإعلاني وعلى رأس توصياتها، أقرت لجنة غولدبرغ أنه "لا يوجد أيّ مبرر أن  تتعامل الدولة مع السكان البدو في هذه البلدات بشكل يختلف عن تعاملها مع سائر مواطني الدول"[17] وأوصت اللجنة بالاعتراف بغالبية القرى غير المعترف بها "قدر المستطاع". وفي موضوع ملكية "البدو" للأرض أقرت اللجنة مبدأ تنازل عرب النقب عن 50% من أراضيهم والحصول على تعويض في باقي ادعاءاتهم.

 ويتناول التقرير بالتفصيل حجم التعويضات المطلوبة، بما فيها التعويض بواسطة أراضٍ. كما أوصت اللجنة بإقامة إطار أو مؤسسة تأخذ على عاتقها "تسوية توطين البدو في النقب". وطالبت اللجنة "بعدم غضّ الطرف عمّا يخص تطبيق القانون" وقضت بأنّ توصياتها هي" تسوية عادلة بين الدولة وبين البدو". وقد اقترح التقرير المكتوب بلهجة تصالحية وإيجابية - منح البدو "حق ملكية" على الأراضي، انطلاقا من الأخذ بعين الاعتبار "الصّلة التاريخية" بينهم وبين هذه الأراضي. ومع ذلك، يجب أن نذكر أنّ التحفظات الكثيرة التي أضافها أعضاء في اللجنة، أضعفت من قوة هذا التقرير ومن مكانته.

 وقد بارك المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها التوجّه الجديد الكائن في التقرير، وأعلن أنه في حال قبول توصيات اللجنة، وخصوصًا في مسألة الاعتراف بالقرى غير المعترف بها، فإنّ هذه التوصيات يمكن أن تشكل أرضية ملائمة لتغيير سياسات الحكومة.[18]

من جهة أخرى، أضاف "المجلس": "إنّ اللجنة أخفقت في طرح حلّ عادل للسّكان البدو"، لأنها "لا تلبي ولو قسطًا صغيرًا من احتياجات المجتمع" ولا تقترح حلاً لغياب الخدمات الفورية للسّكان، مثل توفير البني التحتية للكهرباء والماء وجمع النفايات والخدمات الطبية". وادّعى "المجلس" أنّ اللجنة لم تقترح جدولا زمنيًا مُعرّفًا لتطبيق الخطة، وهي تتعامل مع أطرافٍ  فشلتْ في الماضي. في حل قضايا عرب النقب. وقضى"المجلس" أيضًا بأن التقرير مُخيّب للآمال ولم يُرسِ الحلّ المطلوب".[19]

تقرير يرافر

لجنة برافر هي اللجنة التي عينت من أجل تطبيق توصيات تقرير لجنة غولدبرغ. هذه اللجنة، والتي عملت لفترة أكثر من سنتين تركبت من ثمانية أعضاء هم ممثلو مؤسسات ووزارات حكومية بمن فيهم ممثلو شرطة إسرائيل. ولم يمثل بهذه اللجنة أي من أبناء النقب. هذه اللجنة مهمتها أيضا بلورة التقرير وإعداده كاقتراح قانون يسن في الكنيست بعد "سماع ملاحظات المواطنين" في الفترة اللاحقة. وقد جاء التقرير الذي أعدته لجنة برافر مغايرا وبعيدا عن توصيات لجنة غولدبرغ. وقد أقر تقرير برافر في الكنيست في 11 أيلول (سبتمبر) 2011، ونشر كاقتراح قانون في الرابع من كانون الثاني 2012.

تتلخص خطة برافر بالأمور التالية:

1. أنها تعد "بمنح" عرب النقب "الجالسين على أراضيهم" بِـ50% من أراضيهم فقط. التعويض سيكون على أراض زراعية أو سكنية لكنها لا تشمل ادعاءات ملكية على أراضي المراعي.

2. "تمنح" الذين  طردوا  وهجروا من أراضيهم بعد عام 1948 تعويضاً مادياً فقط.

3. تعد بالاعتراف ببعض القرى غير المعترف بها "إذا اقتضت الضرورة لذلك". هذا الأمر منوط بقرار من الحكومة فقط.

4. تشمل برنامج دعم اقتصادي - اجتماعي للبلدات العربية السبع المعترف بها  وقرى أبو بسمة بقيمة 1.2 مليار شيكل. وهي: راهط، وتل السبع، وكسيفة، وعرعرة، وشقيب السلام، وحورة واللقية.[20]

البعد الأمني لمخطط برافر

المتمعن في هذه الخطة يرى البعد الأمني والعقلية الأمنية في بنودها. حيث تنص الخطة بمعارضة تعويض عرب النقب عن أراضيهم في النقب الغربي، غربي شارع 40، المؤدي إلى مدينة بئر السبع (أرض مقابل أرض) وتقترح الحكومة الإسرائيلية التعويض المادي فقط لسكان هذه المنطقة التي هجروا منها بعد العام 1948. إخلاء هذه المناطق الخصبة الواسعة من سكانها العرب والتخطيط لهدم قرى غير معترف بها محاذية للخط الأخضر مثل: أم الحيران، وعتير وسعوة وتل عراد، هدفه إبعاد عرب النقب عن المناطق الحدودية مع قطاع غزة وجبال الخليل وبالتالي منع التواصل الديمغرافي الموهوم بين شقي الدولة الفلسطينية العتيدة؟.

كيف لا وكل من عمل على إعداد المخطط  وتنفيذه هو من رجال الجهاز العسكري الإسرائيلي. فايهود برافر جاء من جهاز المخابرات ووظيفته الأخيرة كانت نائب رئيس المجلس القومي. ويؤمن بالحاجة للاستعانة بجميع الوسائل ومن ضمنها اللجوء إلى القوة عند الحاجة من اجل تحقيق أهداف معينة. إنه إيهود برافر نفسه الذي أعلن في مؤتمر هرتسليا عام 2006، بصفته نائب مجلس الأمن القومي أنّ "الدولة قد سبق وأبدت قدرة على مواجهة تحديات مركبة من الناحية التنظيمية والمالية والقضائية أثناء تنفيذ فكّ الارتباط عن غزة. فيما يخصّ مسألة البدو أقترح تبنّي مبدأ مشابه"..[21]أما الجنرال يعقوب عميدرور، رئيس المجلس القومي الحالي، فهو المعدل الأخير لخطة برافر وجعلها أكثر سوءاً بضغط من ليبرمان وأحزاب اليمين المتطرف. مقابل ذلك وعلى الأرض يرأس "السلطة لتوطين عرب النقب" الضابط المتقاعد من سلك الشرطة ايهود باخر. والأنكى من ذلك أن الحكومة الإسرائيلية عينت الجنرال دورون الموغ  قائد المنطقة الجنوبية إبان الحرب الأخيرة على قطاع غزة (الذي لا يستطيع دخول بريطانيا بسبب اتهامه بجرائم حرب)، مسؤولاً من قبل الحكومة على تنفيذ المخطط. إذاً الحكومة الإسرائيلية تتعامل مع عرب النقب وكأنهم مشكلة أمنية وبحاجة لجنرالات لحلها وليست مسألة مدنية.

لقد أصبح الخطاب والتشريع الأمني للمؤسسة الإسرائيلية مدخلا لحل قضايا عرب النقب. فسكان قرية قطامات غير المعترف بها، لا يستطيعون الحصول على مياه الشرب لان قريتهم تقع في منطقة عسكرية. أما قرية أم الحيران فهي قريبة من الخط الأخضر لذلك يجب هدمها وبناء بلدة يهودية ‘اسمها حيران’ مكانها للحفاظ على الحدود؟؟. أما الحاجة لإقامة منشآت عسكرية في النقب الواسع فلا غبار عليه ما دامت تقام هذه المنشآت فوق القرى غير المعترف بها وعلى حساب سكانها. وقد علمنا الماضي أن المؤسستين التخطيطية والتشريعية الإسرائيليتين جاهزتان لهذا الأمر دائما إذا اقتضت الضرورة لقوننة العملية. هذا ما حدث في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد والانسحاب الإسرائيلي من سيناء حيث تم إخلاء آلاف المواطنين  العرب البدو من أراضيهم في تل الملح ومصادرة أكثر من ستين ألف دونم منها من أجل إقامة مطار "نفتيم" العسكري.

لماذا يعارض عرب النقب خطة برافر؟

يرى عرب النقب أن خطة برافر خطيرة ولا يمكن تطبيقها، لا في نصها الأول ولا نصها الأخير والمعدل على يد مجلس الأمن القومي الإسرائيلي. ليس فقط لأنها لا تصحح الغبن التاريخي بحق عرب النقب منذ العام 1948، بل لأنها تكرس سياسة العزلة، والحصار والتضييق ولا تضع الحلول لقضايا عرب النقب الأهم، قضايا الأرض، والتخطيط والعدل الحيزي.

- لم يتم التشاور مع عرب النقب المعنيين بالأمر حول الخطة والتي جاءت لتهضم حقوقهم في أراضيهم. لذلك فالتعويض المقترح بنسبة 50% غير مقبول عليهم. وحسب حسابات خبراء في موضوع الأراضي فأن الكمية الصافية من الأراضي المقترحة على عرب النقب حسب خطة برافر لا تتعدى الـ20% من ادعاءاتهم. بالإضافة لذلك فالكل مرهون بالتنازل عن الـ50% الأخرى من الأرض أولا.

- الخطة تميز بين العرب واليهود في قضايا الأرض والتخطيط في النقب. فاليهودي يستطيع أن يعيش في قرية أو مدينة، في كيبوتس أو موشاب حتى في مزرعة فردية أما العربي النقباوي فعليه قبول الحل الوحيد المقترح من الدولة وهو التمدن، أي الانتقال للعيش في إحدى البلدات القائمة أو التي ستقوم لهذا الغرض.

- تعتمد تعليمات تخطيطية خاصة بعرب النقب في قضايا الاعتراف بالقرى وكأنهم خارج المواطنة الإسرائيلية. اليوم وحسب الخارطة الهيكلية القطرية الإسرائيلية (تاما 35) يكفي العدد 300 نسمة أو 50 عائلة لإقامة أو الاعتراف بقرية جديدة، وكل القرى غير المعترف بها تزيد عن هذا العدد.

-  الخطة تميز بين عرب النقب أنفسهم – الساكنين على أرضهم والمهجرين منها بعد قيام دولة إسرائيل، فقط الذين يسكنون على أرضهم يحق لهم تعويض ما في الأرض. وتقترح الحكومة الإسرائيلية تعويضهم جزئيا، وتمنع ذلك من الذين هجروا وشردوا في سنوات الخمسين من القرن الماضي والذين عاشوا في شمال غربي النقب والمقترح عليهم تعويضات مادية زهيدة. بالإضافة لذلك فإن المقترح الأخير هو سابقة خطيرة في كل ما يتعلق بمهجري الداخل في الشمال. ويرى البعض أن مخطط برافر هو المقدمة الأولى لضرب حقوق مهجري الداخل في أراضيهم.

-  خطة برافر غير واضحة المعالم فهي بدون خرائط لأسماء قرى أو كمية الأراضي الحقيقية التي سيحصل عليها عرب النقب. الخطة المذكورة تغلق مناطق كاملة أمام المواطنين العرب في النقب. فهم لا يستطيعون العيش أو تملك الأرض غربي شارع 40، أي في النقب الغربي، بين قطاع غزة ومدينة بئر السبع. كذلك فإن الخطة تطرح حلولاً وتنقلاً مرحلياً. وقد تعلم عرب النقب من التجربة أن أكثر الأمور نهاية هي الأمور المرحلية. هناك أناس يعيشون في النقب "مرحليا" منذ العام 1948.

-  ويرى عرب النقب أن الخطة المطروحة هي خطة تجميع وحل مشاكل آنية، وبدون طرح تخطيطي مستقبلي لعرب النقب، ويتخللها هدم قرى بكاملها وترحيل عشرات ألوف المواطنين.

-  إن لغة مستند "برافر" تمنح مساحة مناورة كبيرة لصالح مكتب رئيس الحكومة ولرئيس الحكومة ذاته، فضلوع رئيس الحكومة في الموضوع بشكل شخصيّ وحقيقة قدرته على أن يمارس بنفسه الحق في استثناء مناطق بأكملها نتيجة لأسباب عديدة تخصّه وحده، تجعل خطة برافر شديدة الخطورة. هذا الأمر مارسه رئيس الحكومة بنفسه عندما ألغى توصية مؤسسات التخطيط الإسرائيلية بالاعتراف في قرى أم الحيران – عتير وتل عراد.

الخلاصة

المؤامرات على عرب النقب متعددة الجوانب، ولا تقتصر على القضية الأولى، قضية الأرض، فإقصاء وتهميش العرب البدو وعزلهم عن باقي الجماهير العربية شملت "بدونة" قضاياهم، وكأنها لا تهم باقي المواطنين العرب في هذه البلاد. وإيغالا في مهمة عزل عرب النقب عن شعبهم، تزداد  محاولات تجنيد الشباب العربي النقباوي للخدمة العسكرية. من جهة أخرى فإن إغلاق الحدود مع قطاع غزة كليا، وإغلاقها جزئيا مع مدينة الخليل وقراها، قد افقد عرب النقب شريانا اقتصاديا واجتماعيا مهما. زد على ذلك تقليص مخصصات الأطفال، حيث إن عرب النقب معروفون  بكثرة إنجابهم  مما جعلهم الخاسرين الأوائل من هذه السياسة.

واليوم، لا تخفي الحكومة الإسرائيلية نواياها تجاه عرب النقب. فسياسة التهجير القسري والحصار من خلال إقامة منطقة السياج، وتركيز كل عرب النقب فيها في سنوات الخمسينات من القرن الماضي ما زالت قائمة. حيث تستعد حكومة إسرائيل اليوم، ومن خلال خطتها إلى تقليص منطقة السياج من خلال إقامة بلدات يهودية فيها، وتضييق الخناق أكثر على عرب النقب من خلال هدم ما ينيف عن عشرين قرية عربية وتجميع سكانها في البلدات القائمة.

لقد عرف فلسطينيو الداخل معارك أرض ناجحة في الماضي في بيت جن، والكرمل ومنطقة الروحة. الصمود والتحدي ووحدة الجماهير كانت أحجار الزاوية في نجاح هذه الأيام المشهودة من تاريخ عرب الداخل. وللتذكير فإن الإضراب العام في يوم الأرض الأول 1976 حيث حاولت الحكومة الإسرائيلية مصادرة حوالي عشرين ألف دونم من أراضي سكان سخنين، وعرابة ودير حنا في الجليل. وخلال المواجهات بين السكان الفلسطينيين وقوات الشرطة والجيش الإسرائيلي سقط هناك ستة شهداء. منذ ذلك الوقت فرضت الجماهير الفلسطينية في الداخل على الحكومة الإسرائيلية عدم مصادرة أراض عربية إلا للصالح العام الفعلي وبعد تعويض كامل بالأرض. إن الخطاب الإسرائيلي والأجواء العامة التي أدت إلى أحداث يوم الأرض الأول ماثلة أمامنا بل زادت من حدتها. بالأمس كانوا يتحدثون عن "تطوير الجليل" أما اليوم فيتحدثون عن "تطوير النقب". في العام 1976 كانت وثيقة إسرائيل كينغ سيئة الصيت واليوم عرب النقب أمام وثيقة أخطر هي وثيقة برافر. التحريض على قيادة الجماهير الفلسطينية في الداخل ومحاولة تخويفها آنذاك هو نفس التحريض الذي نسمعه اليوم.

مخطط برافر هو مخطط تهجير وترحيل قسري وليس مخطط توطين كما تدعي الحكومة الإسرائيلية. المخطط الغامض العنصري بمضمونه لا يطرح أسماء قرى سيتم الاعتراف بها أو إقامتها ويتركز في عملية الترحيل والعقوبات لمن يخالف القانون الجديد. المخطط هو رسالة إلى الأقلية الفلسطينية في إسرائيل، في حال تطبيقه سيكون بمثابة مرحلة جديدة في تعامل الدولة الإسرائيلية مع مواطنيها العرب. هل تفكر قيادة شعبنا ومؤسساتنا في الداخل في إستراتيجيات مواجهة جديدة في وجه التسونامي القادم من النقب ليصل إلى مناطق وتجمعاتنا الفلسطينية في مدن الساحل، والمثلث والجليل؟.

الهوامش

·مدير مركز عدالة في النقب، محاضر في جامعة بئر السبع.

[1]  فلاح، غازي، 1989، الفلسطينيون المنسيون 1986-1906. الطيبة: مركز إحياء التراث. (فلاح، 1988).

[2] الشركة لبناء المستوطنات، 1920، http://tnuathaavoda.info/zope/home/100/terms/1134640068/

[3] يفتاحئيل اورن، كيدار ساندي وأمارة أحمد، 2012، قراءة جديدة  في "النقب الميت" حقوق الملكية في الحيز البدوي.

[4]  يفتاحئيل اورن، كيدار ساندي وأمارة أحمد، المصدر السابق.

[5] النصاصرة منصور، 2011، قبل أن يصوت البرلمان الإسرائيلي على توصيات لجنة برافر، http://www.arabs48.com/?mod=articles&ID=86445

[6] موريس بيني، 1988، ولادة قضية اللاجئين الفلسطينيين 1947- 1949.

[7]  أبو راس ثابت، 2011، العرب البدو في النقب في تغيرات مرحلة التمدن. في اريك رودنسكي وثابت أبو راس (محرران) المجتمع البدوي في النقب. القدس: مبادرات صندوق إبراهيم.

[8] سفيرسكي شلومو وحسون ياعل، 2005، مواطنون غير مرئيين، سياسة الحكومة تجاه البدو في النقب. تل أبيب: مركز ادفا.

[9]  الهزيل عامر، 2003، برنامج وفاق مدني في إسرائيل لحل&a

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website